فهرس الكتاب
إن هذا الشعور يملأ القلب قوة وصبرًا واحتمالًا أمام الشدائد لقوة الرجاء في الله عز وجل، واليقين بفرجه ونصره، واليقين بحسن العاقبة من الله عز وجل فيما أعده للصابرين قال تعالى الله: (( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيما ) ) (النساء: 104) .
وإن مما يقوي الصبر على الشدائد يقين العبد أن ما أصابه إما أن يكون تكفيرًا لذنوبه، أو سببًا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه .وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (( إن كل قدر يكرهه العبد ولا يلائمه لا يخلو إما أن يكون عقوبة على الذنب؛ فهو دواء لمرض لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى المرض إلى الهلاك .أو يكون سببًا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه.
فالمكروه يرتفع ويتلاشى، وما يترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع ، فإذا شهد العبد هذين المشهدين انفتح له باب الرضى عن ربه في كل مايقضيه له ويقدره )) [1] اهـ .
فإذا أيقن العبد المبتلى أن العاقبة الحميدة من النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة لا يوصل إليهما إلا على جسر التعب والمشقة فإنه بذلك يقوى صبره، واحتماله، وبذله وتضحيته في سبيل الله عز وجل، مع تفقد النفس من الذنوب، وتنقية الصف من المنافقين، فذلك من أسباب النصر.
ويفصّل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الأمر في كتابه النفيس مفتاح دار السعادة عندما تحدث عن صبر أولي العزم من الرسل ، وكيف وصلوا بذلك إلى أعلى المقامات في الدنيا والآخرة حتى انتهى إلى محمدصلى الله عليه وسلم فقال: (( ... فإذا جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأملت سيرته مع قومه وصبره في الله ، واحتماله مالم يحتمله نبي قبله، وتلوّن الأحوال عليه من سلم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة في وطنه، وظعنه عنه، وتركه لله ،
(1) مدارج السالكين ( 2 / 212 ) .