فهرس الكتاب
ويتحدث الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن انشراح الصدر والحياة الطيبة لأهل الإيمان فيقول: (( قال تعالى: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) (النحل:97) ،فهذا خبر أصدق الصادقين، ومَخْبرُه عند أهله عينُ اليقين، بل هو حق اليقين. ولابد لكل من عمل صالحًا أن يحييه الله حياة طيبة بحسب إيمانه وعمله، ولكن يغلط الجفاة الأجلاف في مسمى الحياة حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح، أو لذة الرياسة والمال، وقهر الأعداء، والتفنن بأنواع الشهوات. ولاريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم؛ بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان، فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع أو الدواب والأنعام فذلك ممن يُنادى عليه من مكان بعيد.
ولكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلا عن الأبناء والنساء، والأوطان والأموال، والإخوان والمساكن ورضي بتركها كلها، والخروج منها رأسًا، وعرض نفسه لأنواع المكارة والمشاق، وهو متحل بهذا، منشرح الصدر به، يطيب له قتل ابنه وأبيه، وصاحبته وأخيه، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، حتى أن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول:فزت ورب الكعبة! ويستطيل الآخر حياته حتى يُلقي قُوْْتَه من يده ويقول: إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى آكلها! ثم يتقدم إلى الموت فرحًا مسرورًا. ويقول الآخر مع فقره: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف. ويقول الآخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا. وقال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها:إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم في عيش طيب )) [1] .
(1) مفتاح دار السعادة ، ص38 .