فهرس الكتاب
يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (( وهذا يصور نزارة ما في هذه الحياة الدنيا من أرزاق ـ مهما كثرت ـ بالقياس إلى ما في الآخرة من فيض غزير . فالله يعلم أن عباده هؤلاء البشر، لا يطيقون الغنى إلا بقدر، وأنه لو بسط لهم في الرزق ـ من نوع ما يبسط في الآخرة ـ لبغوا وطغوا . إنهم صغار لا يملكون التوازن ؛ضعاف لا يحتملون إلا إلى حد ، والله بعباده خبير بصير . ومن ثم جعل رزقهم في هذه الأرض مقدرًا محدودًا، بقدر ما يطيقون، واستبقى فيضه المبسوط لمن ينجحون في بلاء الأرض، ويجتازون امتحانها، ويصلون إلى الدار الباقية بسلام ؛ ليتلقوا فيض الله المذخور لهم بلا حدود ولا قيود ) ) [1] ا هـ .
وكيف يسكن الخوف والهلع في قلب من اطمأن إلى حكم ربه، وأحسن الظن به، وفوض أموره إليه ، إن الخوف والهلع سواءً كان على الرزق أو الأجل لا يكونان إلا عند من لم يعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى . أما لو عرف ربه عز وجل، وأنه رحيم ودود، وأنه حكيم عليم، وأنه لطيف خبير معرفة حقيقية يتعبد لربه بها فإن الاطمئنان والسكينة تعمران القلب، وتنفيان كل دواعي الخوف والوجل من المخاليق الضعاف الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكوا شيئًا من ذلك لغيرهم ، ويبقى صاحب هذا القلب مطمئنًا إلى حسن اختيار الله له، يستشرف رحمة ربه وخيره في كل ما يقضيه الله عليه؛ ولو ظهر في هذا المقضي من الشر والألم ما ظهر، فمن يدري فلعل في طيات المحنة منحة ونعمة، وصدق الله العظيم: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ) )، وصدق الله العظيم: (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) (آل عمران:66) .
(1) في ظلال القرآن ، عند الآية 27 من سورة الشورى .