فهرس الكتاب
5 ـ محاسبة النفوس، والانتباه إلى خطر المعاصي وشؤمها على الفرد والمجتمع: إن من ثمار هذه السنة الكريمة أن ينتبه العبد المؤمن إلى نفسه ويحاسبها على تفريطها وذنوبها. وهذا بعض الخير الذي يجعله الله فيما يراه الناس شرًا ومصيبة؛ حيث إن المصائب والشرور المقدرة على العبد المؤمن غالبًا ما تكون تكفيرًا للذنوب، وإيقاظًا له من الغفلة، ومجالًا لتطهير النفس من أدران المعاصي والسيئات، ومتى ما حصلت هذه الثمرة العظيمة في القلب فإن المصيبة والنقمة تصبح في حقيقة الأمر خيرًا ونعمة لصاحبها؛ وصدق الله العظيم: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ) ).
أما إذا حصل العكس من ذلك ـ والعياذ بالله ـ وذلك بأن كانت المصيبة سببًا في مزيد من الغفلة أو التسخط على أقدار الله تعالى؛ فإن المصيبة والحالة هذه لا تعتبر خيرًا لمن وقعت عليه، لكنها قد تكون خيرًا لغيره عندما يحصل الاتعاظ والعبرة بحال من وقعت له المصيبة . ويوضح هذا الأمر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فيقول: (( إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن؛ فإن رده ذلك الابتلاءُ والمحن إلى ربه، وجمعه عليه، وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به ، والشدة بتراءُ لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجلّ عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائيًا عنه، وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرّضا وكانت البلية في حق هذا عين النعمة، وإن ساءته، وكرهها طبعه، ونفرت منها نفسه؛ فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب.وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة: (( وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) (البقرة:216)