فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 350

والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس ، وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة، التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة . والشدة ابتلاء من الله للعبد؛ فمن كان حيًا أيقظته، وفتحت مغاليق قلبه، وردته إلى ربه؛ وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه.. ومن كان ميتًا حسبت عليه، ولم تفده شيئًا، وإنما أسقطت عذره وحجته، وكانت عليه شقوة، وكانت موطئة للعذاب )) [1] ا هـ .

ويقول عز وجل: (( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) ) (لأعراف:94) .

ويعلق الشيخ محمد رشيد رضا على هذه الآية فيقول: (( وما ثبت بالتجارب، وتقرر عند علماء النفس والأخلاق أن الشدائد وملاحج الأمور [2] مما يربي الناس ويصلح من فسادهم؛ فالمؤمن قد يشغله الرخاء وهناء العيش فينسيه ضعفه وحاجته إلى ربه، والشدائد تذكره به، والكافر بالنعم قد يعرف قيمتها بفقدها، فينقلب شاكرًا بعد عودها، بل الكافر بالله عز وجل قد تنبه الشدائد والأهوال مركز الشعور بوجود الرب الخالق المدبر لأمور الخلق في دماغه، وتذكره بما أودع في فطرته من وجود مصدر لنظام الكون وأقداره، كما وقع كثيرًا ) ) [3] ا هـ .

(1) في ظلال القرآن: عند الآيتين ( 42 ، 43 ) من سورة الأنعام .

(2) ملاحج الأمور ): مضايقها ، يقال: لحج الأمر إذا ضاق .:

(3) تفسير المنار: عند الآية ( 94 ) من سورة الأعراف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت