فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 350

فكانوا أول الصف جزعًا ونكولًا وانهيارًا.. على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت؛ ويعدّون للأمر عدّته، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف. فيصبرون ويتمهلون ويعدون للأمر عدته.. والمتهورون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافًا، ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور!وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالًا وأي الفريقين أبعد نظرًا كذلك!

وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف، الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه؛ ولا يطيق الهوان وهو ذو عزة؛ فيندفع يطلب من الرسول أن يأذن له بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة. والرسولصلى الله عليه وسلم يتبع في هذا أمر ربه بالتريث والانتظار، والتربية والإعداد، وارتقاب الأمر في الوقت المناسب )) [1] اهـ.

مما سبق يتبين لنا فضل التؤدة والأناة، وأنها من ثمرة العلم بالله عز وجل وتوحيده وأسمائه وصفاته، وأنه عز جل يقدر الوقت المناسب لنصر أوليائه بعد أن يكونوا قد أخذوا بأسباب النصر وأعدوا عدته، وأنه سبحانه هو العليم الحكيم والبر الرحيم بعباده، فلا يؤخر عنهم شيئًا، ولا يقضي عليهم أمرًا إلا وفيه الخير والرحمة، ولكن العبد القاصر، والجاهل بعواقب الأمور يستعجل أمر ربه الرحيم.

(1) في ظلال القرآن ، الآية ( 77 ) من سورة النساء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت