المعركة الثانية: هي معركة فتح مكة، وكانت من أخطر وأهم المعارك في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأن مكة كانت مركز الجزيرة العربية، ومكان الحج والعمرة، والناس يأتونها من كل مكان، فكانت الوثنية تسيطر على مكة على مدى ثمان سنوات بعد هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حتى منعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية من دخول مكة وأداء العمرة، فلما ذهب عليه الصلاة والسلام إلى مكة ودخلها فاتحًا؛ دانت له الجزيرة العربية كلها.
وكان فتح مكة في السنة الثامنة، وفي السنة التاسعة جاءت الوفود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أنحاء الجزيرة العربية تبايعه على الإسلام، ولهذا يصح أن نقول: إن فتح مكة هو الوقت الذي زالت فيه غربة الإسلام، وأصبح الإسلام عزيزًا في أنحاء الجزيرة، وسقطت سلطة الوثنية في هذه البلاد. وكان فتح مكة -أيضًا- في رمضان.
وهناك كثير من الفتوحات والمعارك الفاصلة في الإسلام كانت في رمضان، أذكر منها معركة عين جالوت، المعركة التي نصر الله فيها عباده المؤمنين بقيادة المماليك على التتار، وانكسر مدهم وانهزموا بعد ذلك هزيمةً منكرة لم يقم لهم بعدها قائمة.
فرمضان هو شهر الجهاد، وهذا يذكرنا بأمرين:
انعكاس المفاهيم في نفوس المسلمين
أولهما: أن كثيرًا من المسلمين اليوم انعكست هذه المفاهيم في نفوسهم، فلم يعد رمضان شهر الجهاد والعمل والتضحية.
بل هو شهر البطالة والكسل والنوم، وهذا خطأ، فإن الجهاد باب واسع، فهناك الجهاد بالكلمة، والجهاد بالعلم، والجهاد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالدعوة إلى الله عز وجل وبالمال، وكل أنواع الجهاد مشروعة في رمضان وغيره، وهي في رمضان أولى من غيره.
وجوب نصرة المجاهدين
الأمر الثاني: أننا نعلم أن كثيرًا من المسلمين الآن يحملون السلاح، مدافعين عن الحوزة ومنافحين عن الملة.
يحدث هذا في أفغانستان، وفي فلسطين، وفي إريتريا، وفي الفلبين، ويحدث -أيضًا- في بلاد إسلامية أخرى، وفي جميع هذه البلاد التي ذكرت، توجد أمم وطوائف من أهل السنة والجماعة، المشهود لهم بالصلاح والورع والتقوى ولزوم الجادة وصلاح المعتقد، وهم يقاتلون عدوًا كافرًا خاسرًا، يهوديًا أو نصرانيًا أو شيوعيًا، وهم بأمس الحاجة إلى أن يكون إخوانهم المسلمون معهم، بالدعاء وبالحماية والنصر، والمال، وبغير ذلك من الوسائل.
رمضان شهر الإنفاق
الوقفة الرابعة عشرة: أن رمضان شهر النفقة والإنفاق.
والنفقة عمومًا من أعظم أسباب القرب من الله تعالى ودخول الجنة.
الإنفاق زيادة لا نقصان
يكفي أن تعلم أن هذا الإنفاق الذي ينفقه الإنسان لا ينقص من ماله بل تزيده، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: {ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه} فأثبت عليه الصلاة والسلام أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، وهذه الصدقة التي لا تنقص مالك هي تزيد في أعمالك وقربك من الله عز وجل.
الصدقة من أعظم أسباب دخول الجنة
وهي من أعظم أسباب دخول الجنة، واسمع بعض هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى أبو كبشة رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {أحدثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقصت صدقة من مال، ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله تعالى عليه باب فقر، ولا تواضع أحد لله إلا رفعه -ثم قال-: وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعه نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو ينفق ماله في علمه، ويتصدق، ويصل رحمه، وينفق في سبيل الله؛ فهو أفضلهم، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو يقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل ما عمل. فهما في الأجر سواء. ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمه فهو يخبط فيه ولا يتقي الله عز وجل، ولا يصل به رحمه ولا يعطي منه المسكين، فهو أخبثهم منزلةً. ورجل لم يؤته الله تعالى مالًا ولا علمًا، فيقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل ما عمل. فهما في الوزر سواء} . والحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وذلك يدل على أن نية المؤمن الصادقة على الإنفاق في سبيل الله وغير ذلك من أبواب الخير، أنها تبلغه منازل العاملين، متى كانت نيةً صادقة من أعماق قلبه، وليست مجرد أمنية، ففرق بين النية والأمنية، لأن بعض الناس يقول: لو عندي، لكن لو أعطاه الله عز وجل لكفر: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة:75 - 77] ففرق بين الأمنية وبين النية الصادقة المبيتة الجازمة، أنه لو أعطاك الله مالًا لفعلت مثل فلان، أو لو رزقك الله علمًا لفعلت به مثل فلان.