الصفحة 20 من 115

السبب الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلقى جبريل -كما سبق- في كل ليلة، ولقاؤه لجبريل من باب مجالسة الصالحين، ومجالسة الصالحين تزيد في الإيمان وتحث على الطاعة، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر من الصدقة في رمضان.

وأنواع جوده - صلى الله عليه وسلم - لا تنحصر، والكلام في جوده يبدأ ولا ينتهي، فهو أجود الناس على الإطلاق، يتفنن - صلى الله عليه وسلم - في أنواع الجود، ويعطي كل من سأله، لا يرد سائلًا إلا أن لا يجد، حتى إنه - صلى الله عليه وسلم - قد يسأله رجل ثوبًا عليه فيدخل بيته ويخرج وقد خلع ثوبه وأعطاه إياه، وحتى إنه - صلى الله عليه وسلم - يعطي غنما بين جبلين، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وربما اشترى الشيء فأعطى ثمنه ورده على بائعه، وربما اشترى وأعطى الثمن وزاده، وربما استسلف شيئًا فرده بأكثر وأطيب وأكبر منه، وربما أهدى وتصدق، وأعطى، وربما قبل الهدية وأثاب عليها أكثر منها وأعظم وأوفر، وكان - صلى الله عليه وسلم - يفرح بأن يعطي أكثر مما يفرح الآخذ بما يأخذ، ففرحه - صلى الله عليه وسلم - بالعطاء أعظم من فرح الآخذ بالأخذ، حتى إنه ليصدق عليه وحده عليه الصلاة والسلام قول القائل:

تراه إذا ما جئته متهللًا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله

وكان يجود - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وماله، ويصفح عمن ظلمه ويعطي من حرمه، ويعفو عمن أساء إليه، وله في ذلك شيء كثير يطول ذكره عليه الصلاة والسلام.

بعض مصارف الصدقة

وفي موضوع الصدقة أود أن أشير إلى مصارف مهمة:

المصرف الأول: مصرف المجاهدين في سبيل الله قال الله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّه} [التوبة:60] فالمجاهدون في سبيل الله هم أحد الأصناف الثمانية الذين تدفع لهم الزكاة، وقد بينت لكم أن في بلاد الأفغان وفلسطين وإريتريا والفلبين مسلمين ومجاهدين ومرابطين على الثغور، وإذا كنا لم نجاهد معهم، ولم نحمل السلاح معهم، ولم نخلفهم في أولادهم وأزواجهم بخير، فلا أقل من أن نعينهم بما تجود به أيدينا من المال، وهذه أعظم مصارف الزكاة في هذا العصر خاصة، ولذلك ينبغي دعم هؤلاء الإخوة المجاهدين، وبالأسباب والوسائل التي من الممكن أن تصل من خلالها الأموال إليهم بيسر وسهولة.

ومن المصارف التي أود أن أشير إليها: الفقراء والمحتاجين من الشباب وطلاب العلم، فإنني أعلم كثيرًا من طلاب العلم -وقد يكون بعضهم من بينكم، من بين المستمعين- من هم بحاجة إلى مساعدة إخوانهم، من لعوز، أو فقر أو حاجة أو إعسار، أو لأنهم يريدون أن يتزوجوا ولا يجدون ما يكمل لهم مهر الزواج وموؤنته، وفي ذلك إعفاف لهم وتحصين لفروجهم وإكمال لنصف دينهم، وفيه من المصالح مالا يخفى، كما أنه يعين على طلب العلم وتحصيله.

وأود أن أشير إلى أن من الجهات التي تتقبل الصدقات والنفقات هي: الجمعيات الخيرية، فإذا وجدت جمعيات خيرية موثوقة، فلا بأس أن يعطيها الإنسان، لأن هذه الجمعيات تتحرى، وعندها ملفات خاصة بالأسر المحتاجة، وتعطيهم رواتب شهرية وتنفق عليهم، وفي هذا البلد أعلم أن القائمين على جمعية البر الخيرية من الناس الموثوقين المعروفين بالخير والاستقامة، والحرص على تحري وضع المال في موضعه الصحيح الشرعي، فينبغي للإنسان الذي يجد المال وربما لا يعرف مصارفه الصحيحة، أن يوكلهم في صرف هذا المال إلى مستحقيه.

رمضان شهر التوبة

الوقفة الخاسة عشرة: رمضان شهر التوبة، وفيه يرجع العباد إلى ربهم.

أسباب كون رمضان شهر التوبة

وإنما كان رمضان شهر التوبة لأسباب:

أولها: جود الله تبارك وتعالى وصفحه عن عباده في هذا الشهر، حتى إنه صح أنه لله تعالى في كل ليلة عتقاء من النار.

ثانيها: أن الشياطين تصفد وتسلسل، قال - صلى الله عليه وسلم: {إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين} وفي لفظ: {وسلسلت الشياطين} فالعباد يقتربون إلى الله في هذا الشهر، فهو فرصة ذهبية ليتوب التائبون من ذنوبهم.

أيها الأخ إذا لم تتب في رمضان فمتى تتوب؟!

وإذا لم تنب في مثل هذه الساعات فمتى تنيب؟!

وإذا مضت أيام عمرك ولياليك ضياعًا فلا يجوز أن يضيع منك شهر رمضان.

شروط التوبة

إخواني الكرام: للتوبة شروط ستة لا بد من توفرها، أسردها سردًا:

أولها: الإخلاص لله عز وجل، وأن تكون توبة العبد صالحة خالصة لا يشوبها مقصد دنيوي.

ثانيها: أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم وتغرغر، فإن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.

ثالثها: أن تكون مصحوبةً بالإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدعي الإنسان التوبة وهو مقيم على المعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت