الصفحة 57 من 115

من يستطيع أن يتجاهل هذه الجموع الغفيرة من الشباب التي تؤم المساجد للصلاة في رمضان وفي غيره، حتى أصبح كثيرٌ ممن يرتادون المساجد لصلاة التراويح والقيام هم من الشباب، ذكورًا وإناثًا.

من يستطيع أن يتجاهل تلك الدماء التي زينت أرض أفغانستان؟ إنها دماء شبابٍ أطهارٍ، أبرارٍ، أتقياء من هذه البلاد ومن غيرها، رضيت بالآخرة عن الحياة الدنيا، باعت الدنيا واشترت الآخرة، ورضوا بما عند الله، فزهدوا في الدنيا، فتركوا فرش الحرير، والديباج، والنعيم، وأطايب الطعام والشراب، وذهبوا إلى هناك حيثُ الجوع، والعطش، والخوف، والتعب، يتسلقون على رؤوس الجبال، وقد صم آذانهم أزيز الطائرات، ومع ذلك كله فإنهم واثقون بالله تعالى، يتطلع أحدهم إلى الموت كما يتطلع أحدنا إلى الحياة، ولسان حاله يقول:

ماضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي ... والموت يرقص لي في كل مُنعطفِ

وما أبالي به حتى أُحاذرَهُ ... فخشية الموت عندي أبرد الطرف

ولا أحد -أيضًا- يستطيع أن يتجاهل -فضلًا عن هؤلاء وأولئك- جماهير غفيرة من شبابنا في المدارس والجامعات والمؤسساتِ المختلفة، ممن هم مهتدون مستقيمون بحمد الله، من رواد المساجد المحافظين على دينهم وعرضهم ومالهم، البعيدين عما حرم الله عز وجل، وهم بحمد الله كثرةٌ كاثرة! لا يحتاج الأمر الإطالة بذكرها.

وكذلك الحال بالنسبة لفتياتنا، فإنا نحمد الله تعالى كل الحمدِ، على أننا نجد أنه في هذا الوقت الذي هيمن فيه الظلام على كثيرٍ من بقاع العالم الإسلامي، إلا أن الصحوة قد أينعت خير إيناع، فلا تكاد تجد مدرسةً أو معهدًا أو جامعةً للبنات إلا وتجد فيها حلق الذكر، يجتمع فيها صفوة المدرسة: من الطالبات، والمدرسات، والمعلمات، ويتدارسن كتاب الله تعالى ويقرأنه، ويتدارسن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتواصين بالحق، ويتواصين بالصبر، حتى أصبح هذا الأمر -بحمد الله تعالى- أمرًا عاديًا مألوفًا لا يستغربه أحد، وحتى أصبحت تجد في كثيرٍ من المدارس أن كل الطالبات هن ممن ينتسبن إلى هذه الحلقات العلمية.

ومن يستطيع أن يتجاهل الحجاب الشرعي الذي أصبح موجودًا في كل مكان؟ تشاهده في المسجد وفي الشارع، وفي البيوت، وفي كل مكان؟ وأصبح كثيرٌ من الفتيات المؤمنات لا تكتفي فقط بحجاب وجهها وسائر جسدها، بل تضيف إلى ذلك أن تحجب كفيها وأن تحجب قدميها بالجوارب وغيرها، حتى إنه لا يرى منه موضع ظفر ...

فأية نعمةٍ أعظم من هذه النعمة؟!

نعم الإله على العباد كثيرةٌ ... وأجلهن هداية الأولادِ

هذا من فيض الله، من فضل الله، من جود الله، من نعمة الله، من كرم الله عز وجل، وليس بكد أيدينا ولا بفعلنا، ومهما فعل الإنسان من الأسباب فهي قاصرة، ولكن الله تعالى بمنه وكرمه وجوده قد أراد بهذه الأمة خيرًا حين هدى شبابها وفتياتها إلى الطريق المستقيم، ولا أحد يتجاهل أعدادًا كبيرة من فتياتنا من قاصرات الطرف المقصورات في بيوتهن، فهنَّ قاصرات الطرف عما حرم الله، لا ينظرن إلى حرام، وهن مقصورات في بيوتهن لا يخرجن إلا لما لابد من الخروج إليه، هذا كله مما لا يختلف عليه اثنان، ولا يجهله منا إنسان.

بعض الظواهر السلبية في المجتمع

لكن الأمر الذي أود أن أشير إليه، هو أن هناك بعض الظواهر السلبية، خاصةً في هذا الشهر الكريم، مما تحتاج منا إلى تأكيدٍ وبيان:

تضييع الأوقات بافتراش الأرصفة

فنحن نشاهد مجموعات من الشباب يفترشون الأرصفة وعلى جنبات الطرق في مثل هذا الشهر الكريم وفي غيره، ويقضون أوقاتًا طويلة من بعد صلاة العشاء، وإلى وقت السحور، إما على مشاهدة التلفاز، أو الفيديو، أو لعب الكرة، ولا شك أن هذا وقتٌ ثمين وجزءٌ عظيم من أوقاتهم، وفي وقت الشباب الذي هو أثمن الأوقات وأعظمها وزهرة الحياة، فكيف تضيعه بهذه الطريقة التي لا تخدمك ولا تخدم أمتك لا في دينٍ ولا في دنيا؟!

إنها ظاهرة تستحق العلاج، وإن مما يستحق الإشادة أن يقوم مجموعات من شبابنا الصالحين وبتوجيهٍ من مشايخهم وعلمائهم بجولات موفقة على تجمعات هؤلاء الشباب، وجلسات طيبة مباركة معهم، وتوجيهٍ صالح، وهديةٍ مفيدة، لعل الله تعالى أن ينفع بها بعض أولئك الشباب، وأن يحيي بها قلوبهم .. وهي على كل حال ظاهرةٌ سلبية تستحق المعالجة.

استئجار الأحواش

وهناك ظاهرةٌ لا تقل خطورةً عنها، وهي أن كثيرًا من الشباب بدءوا يلجئون إلى بعض الأحواش فيقيمون فيها، وربما يستأجر بعضهم مزرعةً صغيرة أو حوشًا، يستأجرونه يومًا في الأسبوع أو أكثر، ويسهرون فيه الليل كله، وأقل ما يكون هناك: التدخين أو تعاطي ما يسمى بالشيشة، ومشاهدة التلفاز أو الفيديو، فضلًا عن الكلام الذي يضر ولا ينفع: من غيبةٍ، أو نميمة، أو سبٍ، أو شتمٍ، أو غير ذلك، ولا شك أننا نربأ بشبابنا عن مثل هذه المجالس، وعن مثل هذه الطرائق التي يضيعون بها أثمن ما يملكون:

والوقت أعظم ما عنيت بحفظه ... وأراه أهون ما عليك يضيعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت