فهل صحيحٌ أن تذهب الأم وتترك بناتها، أو يذهب الأب ويترك أولاده؟ كلا! ليس بصحيح، وَلأَنْ تصلي الأم في بيتها التراويح أو ما شاء الله لها وتراقب بناتها وأولادها الصغار خيرٌ لها من أن تأتي إلى المسجد لتصلي وتترك رعيتها التي استرعاها الله عليها، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: {كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته} فالأب راعٍ والأم راعية، وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته.
عدم توعية الأولاد على العبادات
كما أننا نجد أن كثيرًا من الآباء والأمهات لا يحرصون على تعويد أبنائهم على الصيام والقيام والعبادة، فربما تركوا الولد لا يصوم، على رغم أنه قد قارب البلوغ، وربما يبلغ -أحيانًا- ولكن لا يلزمونه بالصيام إما شفقةً عليه، أو لضعف شخصية الأبوين وأنهم ما اعتادوا أن يلزموا الولد بشيء، فإذا رفض فلا حيلةَ لهما حينئذٍ، إن أطاع وانصاع من قبل نفسه، وإلا لم يستطيعوا أن يفرضوا عليه شيئًا.
حتى إنني أعرف حالاتٍ كثيرة جدًا، وخاصة في أوساط الفتيات، ممن تبلغ ولا تصوم لعدم تربية الأهل، الأم لا تدري أن ابنتها بلغت، أصابها المحيض -مثلًا- أو بغيره من علامات البلوغ، وربما تستحي البنت فلا تخبر أهلها، فتظل مفطرةً طيلة شهر رمضان، وقد تكون تصوم -أحيانًا- وهي حائض؛ لأنها تستحي أن تفطر وتقول لأهلها: إنني حائض، هذا أيضًا لا يجوز؛ لأن صيام الحائض -كصلاة الحائض- لا يجوز، لا يجوز لها أن تنوي الصيام كما أنه لا يجوز لها أن تصلي وهي حائض، وإنما هذا يكون بسببِ عدم اهتمام الأبوين وعدم تدريبهم لأبنائهم على الصيام والقيام.
كما أننا نجد بعض الذين يأتون بأولادهم معهم إلى المساجد قد لا يهتم بأولاده، فيكون مجيء الولد للمسجد سببًا في إيذائه للمصلين، وارتفاع الأصوات والركض والذهاب والإياب والمجيء، وربما شغل المصلين عن صلاتهم، وحصل من جراء ذلك أمورٌ لا تحمد عقباها.
ضرورة تربية الأولاد منذ الصغر
أيها الإخوة: أولادنا ثروةٌُ هائلة في الدنيا والآخرة، وهم بابٌ من باب الجنة لمن عني بتربيتهم ورعايتهم وإصلاحهم، وبرٌ دارٌ عليك وأنت موسدٌ في قبرك إذا كانوا صالحين، فالله الله -أيها الإخوة- ألا يكون همنا في تربية الأولاد هو أن نسمنهم فقط، أو نكسوهم فقط، أو نلبي رغباتهم ومطالبهم بالثياب ونحوها، والسيارات وغيرها، كلا ثم كلا! بل يكون همنا أن نربي أولادنا تربيةً حسنة، ولنعلم -أيها الإخوة- أن تربية الأولاد تربيةً حسنة لا تكون بالسوط والعصا، فهذه آخر وسيلة يستخدمها الإنسان إذا لم يُجْدِ غَيْرُها، وإنما ينبغي أن تكون التربية بالسياسة الحكيمة منذُ صغرهم، منذُ نعومة أظفارهم، بل قبل ذلك.
مما يحكى في الطرائف أن رجلًا جاء إلى أحد العلماء وقال له: أنا عندي وَلَدٌ وُلِدَ الآن، وأريد أن تبين لي كيف أقوم بتربيته، قال: وقد وُلِدَ وَلَدُكْ الآن، قال: نعم، قال: هذا فات عليك، لكن أعلمك كيف تربي الذي بعده!! كيف فات وهو الآن ولد؟! قال: نعم فات لأنه ممكن أن أخبرك بتربية الولد حتى قبل أن تتزوج أمه، والإنسان عندما يأتي أهله فإن الرسول عليه السلام علمه أن يقول: {بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا"-وهذا تربية للولد- فإنه إن يكتب بينهما ولده لم يضره الشيطان} ."
وهذه مبالغة لا شك، لكن المقصود أنه كما قيل:
إن الغصون إذا عَدَّلتها اعتدلت ... ولا تلين إذا قومتها الخشبُ!
قد ينفع الأدبُ الأحداث في مهلٍ ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدبُ
فإذا لم تربِّ ولدك في صغره، ويكون عنده احترام لك وتقدير لشخصيتك وأدب معك وهيبة، فإن هذا الولد قد يفرط منك ويضيع من يدك.
وفي الختام:
اللهم أصلح لنا ذرياتنا يا حي يا قيوم! اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، اللهم أصلح شبابنا وفتياتنا، اللهم اجعلهم هداةً مهتدين، اللهم أقر بهم عيون آبائهم وأمهاتهم يا أرحم الراحمين، اللهم انفعهم وارفعهم يا حيُ يا قيوم، اللهم انفع بهم أمتهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعلهم غصةً في حلوق الكافرين والظالمين والمنافقين، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم اهدنا سواء السبيل، اللهم اهدنا سواء السبيل، اللهم وفقنا لطاعتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
أيها الإخوة: وبعد صلاة التراويح -كالعادة- سوف نجيب على الأسئلة لمدة عشر دقائق، وأود أن أذكر بأن هذه آخر ليلة، نتكلم فيها في هذا المسجد إن شاء الله، وسنستأنف هذه الدروس في يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، في مسجد الجاسر، وأسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الأسئلة
وصل الصلاة بصلاة
السؤال: هل يجوز أن تصلى النافلة بعد فرض الجمعة مباشرةً دون الفصل بينهما بالخروج أو بالكلام؟