فهرس الكتاب
إن المال -أيها الأخ الكريم- هو العنصر المفقود في معظم الأعمال الخيرية الإسلامية، فقد وجدنا المسلمين قادرين -بإذن الله تعالى- على أن يقوموا بالدعوة، ونشر الخير، والأمر بالمعروف، وإحياء الجهاد، ولا ينقصهم لذلك كله إلا المال، والمال قد جعلك الله تعالى خازنًا وأمينًا عليه، أفيسرك أن يكوى به جنبك وجبينك وظهرك يوم يقوم الناس لرب العالمين؟!!
إذًا: الخلق الأول الذي يعوده الصيام للصائمين: هو خلق الجود والكرم والإنفاق.
تربية الصيام الإنسان على الصبر
الخلق الثاني: الصبر.
والصوم نصف الصبر، ومعنى الصبر في الصوم ظاهر، فإن الإنسان يكلف نفسه عناء الإمساك عن الشهوات والملذات المستطابة التي يتوق إليها القلب، وتشرئب إليها النفس، ويحبها الإنسان بطبعه، فيمسك عنها طيلة نهار رمضان؛ لوجه الله رب العالمين، وهو من الصبر على طاعة الله، وهو أيضًا من الصبر عن معصية الله، ولهذا أمر الله تعالى بالصبر في كتابه فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ [الكهف:28] وقال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] وقال: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد:17] وقال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ومدح الله تعالى أيوب عليه السلام فقال: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا [ص:44] والله تعالى يحب الصابرين كما أخبر، وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر.
والغريب أن الناس يتكلمون عن الصبر ويفيضون في الحديث عنه، بل ويسمعون كلامًا كثيرًا، ويقرءون ما جاء فيه في الكتاب والسنة، ولكن إذا نزلت بهم الملمات والمهمات، واحتاجوا إلى الصبر حتى يطبقوه في سلوكهم وخلقهم وأقوالهم وأعمالهم؛ بدوا كما لو كانوا لم يسمعوا يومًا من الأيام آمرًا بالصبر، ولا ناهيًا عن ضده، ولا محرضًا عليه، ولا مبينًا لفضل أهله، فإذا احتاجوا إلى الصبر في مواقعه نسوا هذا كله كأنهم لم يسمعوه؛ وهذا يدل على أن الإنسان يحتاج في تعليمه وتدريبه على الأخلاق الفاضلة، ويحتاج إلى التربية الواقعية؛ ومواجهة الأمر حقيقة، وقد يظن الإنسان نفسه صابرًا وهو جزوع، وقد يظن نفسه حليمًا وهو غضوب، قال عمر -رضي الله عنه: [[وجدنا خير عيشنا بالصبر] ].
إن الحياة بالصبر تبدو وتغدو جميلة بكل ما فيها من المحن والمصائب والمشاكل، بل إن الصبر هو الإكسير الذي تتحول به الآلام -بإذن الله تعالى- إلى نعم، وتتحول به المحن إلى منح، وكم من إنسان نزلت به ملمة جليلة عظيمة فلما واجهها بالصبر وجد برد اليقين في قلبه، ولذة السكينة في فؤاده، ورضي بالله تعالى؛ فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.
خليلي لا والله ما من ملمة ... تدوم على حي وإن هي جلت
فإن نزلت يومًا فلا تخضعن لها ... ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت
فكم من كريم قد بلي بنوائب ... فصابرها حتى مضت واضمحلت
وكم غمرة هاجت بأمواج غمرة ... تلقيتها بالصبر حتى تجلت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت
فقلت لها يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت
إن المرء قد يسمع عن السجن والسجناء فيخيل إليه أن الأمر عادي، وأنه لو حبس لصبر، ووجد في ذلك فرجًا من مجاملة الناس ومجالستهم ومحادثتهم، والصبر على أذاهم، لكنه لو حبس ساعة فربما فقد الصبر وتململ، وهذا يوسف عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] ولما أتاه الداعي ما تلقاه عند الباب ولا أسرع إليه، وإنما قال له: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50] .
لقد سمعت أمس عن خروج داعية من دعاة الإسلام من سجون بلاد الشام، وقد مكث فيها ما يزيد على عشر سنوات؛ الله أكبر! عشر سنوات ولد فيها مواليد، وشبوا وكبروا ودخلوا المدرسة، ومات فيها أموات، حيا فيها أناس، ومات فيها آخرون، وقامت فيها دول، وزالت فيها دول أخرى، وتغيرت فيها أشياء كثيرة، وهؤلاء قد حيل بينهم وبين الدنيا.
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
يحكى أن أبا أيوب الكاتب حبس خمس عشرة سنة حتى كاد ييأس، فكتب إليه صديق يعزيه ويقول له:
صبرًا أبا أيوب صبر ممدح ... فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها
صبرًا فإن الصبر يعقب راحة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها
صبرتني ووعظتي وأنالها ... وستنجلي بل لا أقول لعلها
ويحلها من كان صاحب عقدها ... كرمًا به إذ كان يملك حلها
فكتب إليه أبو أيوب يقول له:
فلم يمكث إلا أيامًا حتى جاء الكتاب بإخراجه من السجن، فخرج معززًا مكرمًا.
مشاكل ليس لها إلا الصبر: