والإنسان ظلوم جهول، كثير الغفلة، فمن نعمة الله ورحمته أن يرده إليه إذا ابتعد عنه، وأن يخوفه ليراجع نفسه فيتوب إلى الله. {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (الاسراء: من الآية59) . يخوف الله عباده بما يشاء، ويرسل عليهم ما يشاء، لعلهم يرجعون، لعلهم يتقون، لعلهم يتذكرون، فتكون المحن والزلازل والكوارث وآيات الله تعالى الدالة على قوته، وجبروته، وأن الأرض بيده وأنه يفعل فيها ما يشاء، ويتبين لأهل الأرض ضعفهم، وأنهم لا يسيطرون عليها، ولا يملكون دفعًا لما يريده الله مما ينزل بها، وأنه لو شاء في ثوانٍ وفي لمح البصر جعل عاليها سافلها.
عباد الله هذا التخويف من الله، هذه الآيات التي تأتي لا بد أن يكون لها في قلب المؤمن أثر، وإلا والله فما فائدة وما منفعة هذه الأحداث، وما هو وجه الخير فيها، ونحن نعلم أن ليس في أفعال الله شر محض بل لا بد أن يكون فيه خير بوجه من الوجوه، أدركه من أدركه، وغفل عنه من غفل عنه.
وصف ما حصل في زلزال العيص
أخبرنا نبينا -عليه الصلاة والسلام- عن نارٍ تخرج من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرة، وقد حصل ذلك في عام 654 هـ. عندما سالت حرّة المدينة بالبركان العظيم، والتجئ الناس إلى الله، ودخلوا المسجد النبوي، وصار بينهم من التناصح والإقبال على الله، والتوبة وتحلل بعضهم من ببعض، واللجوء إلى الله مضطرين إليه، حتى هدأ ذلك بعد أن عاشوا أيامًا عصيبة في ذلك الموقف، وفي هذه الأيام حدث النشاط الزلزالي في منطقة العيص وما حولها، وبدأت الهزات خفيفة، وفي البداية تشعر بها الآلات ولا يشعر بها الناس، ثم صارت تقوى شيئًا فشيئًا، ويظهر معها أصوات مفزعة مدوية كأصوات الرعد والانفجارات في باطن الأرض، وصارت الأرض تهتز من تحت الناس، وازدادت شدة تلك الزلازل، وصارت المقاييس تقفز من الثلاثة إلى الأربعة إلى الخمسة، وشعر الناس بتلك الهزات في أماكن تبعد أكثر من مئة كيلو مترٍ متحركة لجهة البحر وإلى الشمال، حتى يشعر بها أهل المدينة النبوية وأملج وينبع والعلا وتبوك وضبا ونحو ذلك من تلك المناطق، قدرة الله تعالى، أنه الذي يهيمن على الأمور -عز وجل-، وهكذا اختلطت قضية الزلازل بقضية البراكين، وصار الخوف من هاهنا ومن هاهنا، هزات كثيرة في أماكن متفرقة، ودوي مرعب، واستيقاظ في الليل، صراخ للأطفال ورعب في النساء، وحتى أشداء الرجال في بعض الأماكن لا يثبت بفنجال قهوة على سطح الأرض، حركة غريبة للمواشي، ونفور للبهائم، وبعض الإبل ترفض البروك على سطح الأرض، وتبقى واقفة، ثم بعد ذلك قياسات للغازات، وارتفاع للحرارة الجوفية وحرارة بعض مياه الآبار، وغاز الرادون، وانتشار ذلك وظهوره، لتقوم بعد هذا الجهات المسؤولة والأمن واستنفار الدفاع المدني ورجال الصحة والإسعاف وغير ذلك في عملية إخلاءٍ وإجلاء، ويتناقل الناس أخبار