من الأباطيل. الأولى تتعلق بالأسبقية بين الوحي والواقع وتحتوي على خمس مواقف فكرية:
أولها موضوعه: أولوية الواقع على الوحي، فزعم حسن حنفي أن الواقع له أولوية على النص، واستشهد على ذلك بتغيير الإمام الشافعي لاجتهاده عندما نزل بمصر، وموقفه هذا - عند حنفي - هو نقطة ايجابية كَثُر الاستشهاد بها على تلك الأولوية [1] .
وأقول: أولا قبل الرد على الرجل لابد من تحديد معنى الواقع بدقة، لأنه ضروري لكي يتضح الأمر وتكون المناقشة صحيحة مبنية على مقدمات متفق عليها. وعليه فإن الواقع واقعان: الأول هو الواقع الطبيعي المحيط بنا والموجود بداخلنا أيضا. فنحن -كبشر مخلوقين- جزء من الواقع الطبيعي المحكوم بسنن وقوانين لا تتغير، إلا أن يشاء الله رب العالمين. والثاني هو الواقع البشري الذي هو انعكاس لوجودنا الطبيعي على مستوى الفكر والدوافع والغرائز، ومصالح الإنسان على أرض الواقع. وهذا الواقع يختلف عن الواقع الأول - وهو الطبيعي - لأنه يتمتع بهامش كبير من حرية الإرادة والتصرف والتفاعل، والتأثير والتأثر بالواقع الطبيعي والبشري معا.
و ثانيا إنه ليس صحيحا أن الواقع له الأولوية على الشرع لأربعة أمور أساسية: أولها هو أن الوحي من كلام الله تعالى، والكلام صفة أزلية لله تعالى ومن ثم فإن كلامه أولى من مخلوقاته مكانة وأسبقية. والأمر الثاني هو أن العالم بأسره خلقه الله تعالى بكلامه لقوله سبحانه: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شيئا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» -سورة يس:82 - . فكلامه سبحانه غير مخلوق خلق به العالم المخلوق من بينه الإنسان، و من ثم فإن كلام الله أسبق وله الأولوية على المخلوقات.
والأمر الثالث هو أن الله تعالى أنزل الوحي على رسله لتغيير الواقع الذي يعيشه الإنسان، فيخرجه من عبادة الأهواء والعباد إلى عبادة رب العباد من جهة،
(1) حسن حنفي: حوار الأجيال ... ص:458