الصفحة 120 من 643

وليرشده إلى الطريق الصحيح للفوز بالدنيا والآخرة من جهة أخرى. فالوحي هو الذي جاء لتغيير الواقع البشري، ومن ثم فهو المتحكم فيه وليس العكس.

والأمر الخير- الرابع- مفاده هو أن الوحي كلام الله، ومن ثم فهو حق وعلم، ونور وبرهان، ويقين و هداية. لكن الواقع البشري هو انعكاس لفكر الإنسان ودوافعه، وغرائزه وسلوكياته. وهذه الانعكاسات هي خليط من الخطأ والصواب، والصدق والكذب، والحق والباطل، والظن واليقين، والشبهات والشهوات، و عليه فإن الوحي أسبق من الواقع، وأولى منه لأن الوحي يقيني، والواقع مرجع نسبي.

وأما استشهاده بتغيير الشافعي لاجتهاده عندما نزل مصر، فهو استشهاد لم يضعه في مكانه المناسب من جهة، ولا يصح الاستشهاد به على أولوية الواقع من جهة أخرى. وإنما الرجل هو الذي حول الحبة الصغيرة إلى قبة كبيرة، ونظر إليها من غير منطلقها الصحيح، وسياقها السليم. لأن الشافعي لم يُغير منطلقه ولا منهاجه الفقهي العام، فهو انتقل من مجتمع إسلامي في بغداد إلى مجتمع إسلامي آخر في مصر، فالمجتمع واحد ولم تتغير أصوله ولا غير الشافعي قناعته ومذهبيته السنية. فلما حل بمصر كانت له اجتهادات خالف بها اجتهادات أخرى قال بها في بغداد انطلاقا من نفس الأصول الشرعية السابقة. فظل الشرع هو المنطلق والأسبق، والمتحكم في الواقع من جانبين: الأول هو أن المجتمع كان إسلاميا في بغداد ومصر. والثاني هو أن اجتهادات الشافعي كانت إسلامية أيضا. وعليه فليس الشرع الذي تغير هنا، وإنما الشافعي غير بعض الاجتهادات بناء على الواقع الجديد في مصر، وقد وجد له حلولا في الشرع نفسه. فالشافعي لم يُغير الشرع و لا أخضعه للواقع، و إنما أخضع الواقع الجديد للشرع، و خرج باجتهادات جديدة موافقة للشرع و الواقع معا، مع تبعية الواقع للشرع مجتمعا واجتهادا. فمن الذي غير الواقع بداية ? ومن هو المتحكم في الآخر؟.

وأما الموقف الثاني فمفاده أن حسن حنفي قال: إن الواقع أساس النقل وهو - أي النقل- لن يلغي الواقعة إذا كانت موجودة ولا يوجدها إذا لم تكن موجودة [1] . و أن

(1) من العقيدة إلى الثورة، ج1،ص:103،369

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت