الصفحة 121 من 643

النص - أي الوحي - متطور بتطور الواقع، وأن التجربة البشرية كانت وراء النص، وكلام الله في الحقيقة هو «كلام الإنسان طبقا لتجاربه وخبراته، فالوجود الإنساني الفردي والجماعي هو منشأ النص» [1] .

وردا عليه أقول: أولا إن معظم ما قاله الرجل باطل جملة وتفصيلا، وهو كلام شاهد على أن صاحبه لا يعي ما يقول، أو أنه صاحب هوى يتعمد ذكر مثل تلك الأباطيل والأوهام والمغالطات لغايات في نفسه. لأن ما نقلناه عنه يشهد كل من الشرع والعقل على أنه باطل، وقد سبق أن بينا وأثبتنا أن الوحي له الأولوية و الأسبقية على العقل، و من ثم على الواقع أيضا لأن العقل جزء منه، فلا نعيده هنا. وبما أن الشرع جاء ليُغير الواقع و يجعله موافقا و خاضعا شرع الله تعالى، فهذا يعني أن الواقع البشري كله يجب أن يكون تابعا للشرع من جهتين: الأولى هي أن الله تعالى خالق العالم و الإنسان، و هذا يعني أنه على الإنسان أن يعود إلى خالقه. والثانية هي أن الإنسان خُلق لعبادة الله والوحي جاء ليأخذ بيده إلى هذه العبادة، وهذا يعني أنه على الإنسان بسلوكياته وواقعه أن يكون تابعا للشرع. و هذا يعني أن الأسبقية لله وشرعه، وليست للإنسان و واقعه.

و أما زعمه بأن النص -أي الوحي - لن يلغي الواقعة إذا كانت موجودة ولا بوجودها إذا لم تكن موجودة. فهو زعم باطل بلا شك، ومضحك ومثير للاستغراب أيضا. لأن التاريخ والواقع الحاضر يشهدان على أن النصوص الشرعية - أي الوحي - غيرت إفرادا وجماعات، وأمما ودولا. والتغيير يستلزم إلغاء واقع موجود وإيجاد واقع جديد. والشواهد على ذلك كثيرة جدا فمن ذلك أن الأنبياء - عليهم السلام - غيروا كثيرا من واقعهم: فكرا وسلوكا ومجتمعا. فالذين امنوا بهم غيروا أفكارهم ومشاعرهم وسلوكياتهم، والذين كفروا بهم كثير منهم عاقبهم الله تعالى، ودمر عليهم واقعهم بمختلف أنواع العذاب، فكان هذا سببا في تغيير واقعهم. وعندما ظهر الإسلام غير أوضاع الأفراد والجماعات والدول، واوجد واقعا جديدا يشمل أقطارا واسعة من العالم. وما يزال الوحي يغير من واقع

(1) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب .. ص:86

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت