الصفحة 48 من 62

وقال شيخ الإسلام: إذ قد تواتر عنه من الوجوه الكثيرة أنه قال - أي علي بن أبي طالب - على منبر الكوفة وقد أسمع من حضر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وبذلك أجاب ابنه محمد بن الحنفية فيما رواه البخاري في"صحيحه"وغيره من علماء الملة الحنيفية, ولهذا كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليًا أو كانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر, وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان, وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي قال: سأل سائل شريك بن عبد الله ابن أبي نمر فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم إنما الشيعي من قال مثل هذا, والله لقد رقى علي هذا الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. أفكنا نرد قوله أكنا نكذبه والله ما كان كذابًا [1] .

وقال أيضًا: وقال ابن القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر فقال: ما رأيت أحدًا ممن أقتدي به يشك في تقديمهما يعنى على علي وعثمان؛ فحكى إجماع أهل المدينة على تقديمهما [2] .

وأما تفضيل الصحابة على من بعدهم فهذا مما اتفق عليه السلف.

قال شيخ الإسلام: وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة أهله, وكثرة الصوارف عنه, وضعف الدواعي إليه لا يمكن أحدا أن يحصل له مثله ممن بعدهم, وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمور وعرف المحن والابتلاء الذي يحصل للناس وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة.

وهذا مما يعرف به أنا أبا بكر رضي الله عنه لن يكون أحد مثله؛ فإن اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد.

قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشىء وقر في قلبه.

(1) ..."منهاج السنة" (1/14) .

(2) ..."منهاج السنة" (2/58) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت