الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وشرع لعباده الدين فلم يجعل فيه حرجا، وفصَّل لهم الحرام والحلال، ورفع عنهم الآصار والأغلال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده وسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فإنَّ أكثر الانتقادات التي وجهها البعض السلفي أو غير السل في إلى الدعوة السلفية، بسبب تغير مواقفها من عدة قضايا تتعلق بالعمل السياسي، كالانتخابات وتكوين الأحزاب ونحو ذلك، إنما يرجع إلى سبب رئيسي، وهو عدم ملاحظة الفارق بين الأحكام الأصلية والأحكام الاستثنائية.
فالأحكام نوعان:
ـ أحكامٌ أصليةٌ كليةٌ مطلقةٌ شُرِعَت ابتداءً، لا تختص ببعض المكلفين دون بعض، ولا ببعض الأحوال دون بعض.
ـ وأحكامٌ استثنائيةٌ خاصة مقيدة ببعض الأحوال.
فأما النوع الأول فهو المراد عند الإطلاق في السؤال والجواب، فلو أن إنسانًا سأل"ما حكم شرب الخمر؟"لكان الجواب بإطلاقٍ"حرام"ولا يجب على المجيب أن يستثني من الجواب من أراد أن يسيغ غصةً في حلقه ولا يجد إلا خمرا، لأن المراد عند إطلاق السؤال هو الحكم الأصلي لا الاستثنائي.
وأما إذا سأل السائل عن هذه الحالة الاستثنائية فإن الجواب سيكون بذكر الحكم الاستثنائي.
والأحكام الاستثنائية قد تأتي أحيانًا بإباحة المحرم كالمثال المذكور وكإباحة الميتة للمضطر، وقد تأتي بتحريم المباح، كأن يقيد ولي الأمر شيئًا مباحًا ليدرأ بذلك مفسدةً تترتب على تعاطيه.
ومن أهم أسباب ورود الأحكام الاستثنائية في الشرع، القاعدة الشرعية المجمع عليها (الضرر يزال) وفروعها وعلى رأسها (الضرورات تبيح المحظورات) .
وهي القاعدة التي قررها الشرع في مواطن كثيرة في الكتاب والسنة، من ذلك قول الله تعالى
"إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"