فهرس الكتاب
4 -إن كثيرًا من السلف كرهوا النثار وانتهابه، منهم إبراهيم النخعي [1] وعكرمة [2] وعطاء [3] وغيرهم. ولعل الحكمة من ذلك ترجع إلى ما هو مشاهد بالعيان فيما يحدثه النثار وانتهابه من الفوضى والاضطراب والتجاذب مما يدل على النهمة وسوء الأدب.
5 -إن النثار في ذاته ليس بمكروه. يقول [4] الماوردي: (أما نثر السكر واللوز في العرس أو غير ذلك من طيب أو دراهم فمباح إجماعًا اعتبارًا بالعرف الجاري) وإنما اقترنت به الكراهة من حيث ما يترتب عليه من الانتهاب والمزاحمة والمقاتلة مما يتنافى مع الآداب الإسلامية.
ولكن يمكن التوفيق بين قولي القائلين بالإباحة والكراهة إذا قلنا: إن النثار إذا قسم على الحاضرين فلا بأس، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا بين أصحابه تمرًا، فأعطى كل إنسان سبع تمرات، فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة [5] ، فلم يكن فيهن تمرة أعجب إليَّ منها؟ شدت في مضاغي [6] [7] .
ولما روي [8] عن الإمام أحمد أنه حذق بعض أولاده، فقسم على الصبيان الجوز لكل واحد خمسة.
ولأنه بذلك تنتفي المفسدة، مع ما فيه من إطعام الطعام، وجبر القلوب وانبساطها وهو مصلحة محضة.
يقول [9] الماوردي في هذا المقام: وعادة أهل المروءات في وقتنا، أن يقتسموا ذلك بين من أرادوا، أو يحملوا إلى منازلهم، فيخرج عن حكم النثر إلى حكم الهدايا.
وعلى هذا إذا قسم ما يراد نثره بين الحاضرين كان أفضل؛ لأنه لا يقدح في المروءة، وأدعى لانبساط النفوس وإلا بقي الأمر على الكراهة، والله أعلم.
(1) عن الحكم قال: كنت أمشي بين إبراهيم والشعبي فذكروا نثار العرس فكره إبراهيم ولم يكره الشعبي. السنن الكبرى للبيهقي جـ 11/ 119.
(2) وعن عكرمة: أنه كرهه. المصدر نفسه. 0
(3) وعن عطاء أنه كره أن ينثر السكر وقال عامر: لا بأس به، وقال محمد: أدركت رجالًا صالحين إذا أتوا بالسكر وضعوه وكرهوا أن ينثر، المصدر نفسه.
(4) الحاوي جـ 9/ 565.
(5) الحشفة: الحشف، رديء التمر، وقيل: المراد أنها صلبة، وقيل: يابسة. فتح الباري جـ 9/ 477.
(6) مضغة: ما يمضغ أو هو المضغ نفسه. ومراده أنها كانت قوية عند مضغها، فطال مضعه لها. المصدر نفسه/ 460.
(7) أخرجه البخاري (فتح الباري) - كتاب الأطعمة - باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون جـ 9/ 460.
(8) المبدع جـ 7/ 187.
(9) الحاوي جـ 9/ 566.