فهرس الكتاب
فقد دلَّ [1] الحديث بعمومه على تحريم الانتهاب، ومن جملة ذلك انتهاب النثار.
ب-من المعقول [2] :
1 -إن النثار قد يوقع بين الناس تناهبًا وتنافرًا، وما أدى إلى ذلك فهو مكروه.
2 -إن النثار قد لا يتساوي الناس في التقاطه، وربما حاز بعضهم أكثره ولم يصل إلى آخرين شيء منه، فيؤدي إلى المنافسة والمزاحمة، فكان مكروهًا لذلك.
3 -قد يلجأ فيه الناس إلى إسقاط المروءات إن أخذوا، وقد يتسلط عليهم السفهاء إن أمسكوا، وقد كان الصحابة ومن عاصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحفظ للمروءات وأبعد عن التنازع والتنافس، فلذلك كره النثار بعدهم، وإن لم يكره في زمانهم.
4 -إن النثار [3] قد يأخذه من غيره أحب إلى صاحبه، وربما دلَّ على دناءة نفس المنتهب.
المناقشة
بعد العرض السابق لأدلة الفريقين، نوقشت أدلة القائلين بإباحة النثر وانتهابه من قبل القائلين بالكراهة فقالوا [4] :
1 -استدلالكم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من شاء فليقتطع» على إباحة النثار. مردود عليه؛ لأنه يفارق النثار في المعنى إذ إنه بمنزلة تقديم الطعام وإباحته فلم يحدث الانتهاب.
2 -استدلالكم بحديث جابر ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما- «إنما نيهتكم عن نهبى العساكر .. » لا يصلحان لتخصيص الأحاديث الصحيحة التي وردت في النهي عن النهبى؛ لأن في إسنادهما مقال فلا يصلحان للاحتجاج.
الراجح
والذي يظهر لي أن الراجح هو ما ذهب إليه القائلون بكراهة النثار والتقاطه:
1 -لما فيه من المزاحمة والمقاتلة، والذهاب بالوقار والمروءة.
2 -إن الأحاديث التي وردت في الرخصة في النثار وانتهابه كلها أحاديث ضعيفة [5] .
3 -ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج بعض نسائه فنثر عليه التمر [6] فيه الحسن بن عمرو، يروي الغرائب. وما روي عنها أيضًا أنها قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا زوج أو تزوج نثر تمرًا» [7] ، فيه عاصم بن سليمان بصري، رماه عمرو بن علي بالكذب ونسبه إلى وضع الحديث.
(1) نيل الأوطار جـ 6/ 209.
(2) الحاوي جـ 9/ 569.
(3) المبدع جـ 7/ 186.
(4) بتصرف السنن الكبرى جـ 11/ 121.
(5) السنن الكبرى للبيهقي جـ 11/ 119.
(6) أخرجه البيهقي - كتاب الصداق (جماع أبواب الوليمة) باب ما جاء في النثار في الفرح. السنن الكبرى جـ 11/ 120.
(7) أخرجه البيهقي. المصدر نفسه.