فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 78

الفصل الرابع

موجبات إجابة الدعوة ومسقطاتها

شروط وجوب إجابة الدعوة

يجب على المدعو إجابة الدعوة إذا توافرت الشروط الآتية:

الشرط الأول:

إذا تعين [1] المدعو، كأنه يخصه صاحب الوليمة بالدعوة إما بنفسه أو بمن ينوب عنه، أو بما يدل على تخصيصه بالدعوة، ففي هذه الحالة يلزم الإجابة.

الحكم إذا كانت الدعوة عامة:

فإن كانت الدعوة عامة غير معينة لشخص أو جماعة، كأن يقول الداعي: أيها الناس، أجيبوا إلى الوليمة دون تعيين، أو يفتح باب داره ويقول: ليحضر من شاء، أو يبعث شخصًا ليحضر من شاء، أو يقول لشخص: احضر وأحضر معك من شئت، فقد اختلف الفقهاء على قولين:

الأول: لا تجب الإجابة ولا تستحب، وبهذا قال المالكية [2] ، والشافعية [3] ، والحنابلة [4] في رواية هي المذهب.

الثاني: تجوز الإجابة وتباح، وبهذا قال الحنابلة [5] في رواية ثانية، وقالوا في رواية ثالثة: لا تجب الإجابة وتكره [6] لأن [7] في الإجابة دناءة.

الأدلة

أولًا: أدلة القائلين بعدم وجوب الإجابة:

استدل المالكية ومن تبعهم على عدم وجوب إجابة من لم يعين المدعو بالدعوة بأدلة من المعقول [8] فقالوا:

1 -إن المدعو لم يعين فلم تتعين عليه الإجابة.

2 -المدعو غير منصوص عليه ولا يحصل بتخلفه كسر قلب الداعي بترك الإجابة.

3 -لا يلزم من دعاه الرسول أن يجيب؛ لأنه قد يرى أن يدعو من غيره أحب إلى صاحب الطعام.

4 -ولأن الدعوة عامة فلم تجب على كل واحد، فهي تشبه فرص الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.

ثانيًا: أدلة القائلين بالجواز:

استدل الحنابلة في الرواية الثانية على جواز الإجابة لمن لم يعين بالدعوة وإباحة ذلك له بدليل من السنة:

فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدخل بأهله، فصنعت أمي أم سليم حيسًا [9] فجعلته في تور [10] ، فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقل: بعثت بهذا إليك أمي وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: إن أمي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، فقال: ضعه ثم اذهب، فادع لي فلانًا وفلانًا ومن لقيت، وسمى رجالًا، قال: فدعوت من سمى، ومن لقيت» [11] .

فقد دلَّ [12] الحديث على أنه يجوز في الدعوة أن يأذن المرسل في ناس معينين وفي مبهمين.

الراجح

والذي يظهر لي أن من لم يعين بالدعوة لا تلزمه الإجابة ولا يكون آثمًا إذا تخلف؛ لأن عموم الأدلة التي وردت في وجوب الإجابة ظاهرها تعيين المدعو منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو دعيت إلى كراع [13] لأجبت» [14] .

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها» [15] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب» [16] .

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا» دليل واضح على أنه لا إجابة إلا بدعوة، ومن لم يعين لا تلزمه الإجابة، ولكن تجوز لحديث أنس عملًا بالدليلين، ولا يكون حضور المدعو في هذه الحالة مكروهًا أو يعتبر طفيليًّا [17] لدخوله في عموم الدعاء اعتبارًا بسابق الإذن العام في الحضور الوليمة؛ ولأن الدعوة العامة كانت مما يفتخر [18] به العرب؛ لأنها دليل على الكرم، هذا والله أعلم.

الشرط الثاني: ألا يكون الداعي مسبوقًا [19] :

(1) الخرشي على مختصر خليل (ط دار الفكر) جـ 2/ 302، كفاية الأخيار جـ 2/ 43، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني الخطيب، ط دار إحياء الكتب العربية - البابي الحلبي جـ 2/ 139، المغني جـ 7/ 3.

(2) عند المالكية: تجب إجابة من عين لها بالشخص صريحًا أو ضمنًا. لا غير محصورين كقوله: ادع من لقيت الشرح الكبير وتقريرات الشيخ محمد عليش بهامش حاشية الدسوقي جـ 2/ 337.

(3) كفاية الأخيار جـ 2/ 43، الحاوي جـ 9/ 559، روضة الطالبين جـ 7/ 333، 334.

(4) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف جـ 8/ 319، المغني جـ 7/ 3.

(5) الإنصاف جـ 8/ 319.

(6) المصدر نفسه، حاشية الروض المربع للنجدي ط2 جـ 6/ 408.

(7) الشرح الممتع لابن العثيمين جـ 5/ 351.

(8) الحاوي جـ 9/ 559، المغني جـ 7/ 3، الشرح الممتع جـ 5/ 351، 352.

(9) الحيس: هو الأقط (اللبن المتحجر) والتمر والسمن يخلط ويعجن. شرح النووي على صحيح مسلم من 3 جـ 9/ 222.

(10) التور: إناء مثل القدح. المصدر نفسه/ 231.

(11) أخرجه مسلم (النووي) - كتاب النكاح - باب زواج زينب بنت جحش، وإثبات وليمة العرس م3جـ 9/ 231.

(12) شرح النووي على صحيح مسلم م3 جـ 9/ 231، 232.

(13) الكراع، تقدم معناه.

(14) جزء من حديث سبق تخريجه.

(15) أخرجه مسلم (النووي) كتاب النكاح باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة من 3 جـ 9/ 235.

(16) جزء من حديث سبق تخريجه.

(17) الطفيلي: هو الذي يغشى الولائم والأعراس والمجالس ونحوها من غير أن يدعي إليها المعجم الوسيط جـ 2/ 560.

(18) الشرح الممتع جـ 5/ 351.

(19) الخرشي على مختصر خليل جـ 2/ 302، الحاوي الكبير جـ 6/ 560، الإقناع جـ 2/ 139، المجموع شرح المهذب التكملة الثانية ج - 16/ 399، منار السبيل جـ 2/ 205. 206، الكافي لابن قدامة جـ 3/ 80، المغني جـ 7/ 4، الدراري المضية جـ 1/ 389، الروضة الندية جـ 2/ 324.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت