فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 78

فمن دعاه اثنان، فإن قدر على الحضور إليهما لزمته الإجابة إن اتسع الوقت، فإذا لم يقدر على الجمع بينهما لزمته إجابة أسبقهما؛ لأن إجابته وجبت بدعوته، فلا تسقط بدعاء من بعده، ولا تجب إجابة الثاني لأنها غير ممكنة من إجابة الأول.

فإن استويا أجاب أقربهما بابًا؛ لأن أقربهما بابًا، أقربهما جوارًا، فإن استويا في الجوار أجاب أقربهما رحمًا لما في تقديمه من الصلة، فإن استويا في القرابة، أجاب أدينهما [1] لأنه الأكرم عند الله، وأجاب في قرع منهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ ولأن القرعة تميز المستحق عند استواء الحقوق.

والدليل على تقديم الأسبق ما روي عن أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابًا، فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق» [2] .

فقد دلَّ [3] الحديث على اعتبار السبق وأن حق الجوار مرجح؛ لأنه أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات ولاسيما في أوقات الغفلة، فهو بالرعاية أقدم.

والحديث وإن كان فيه مقال فله شاهد يعضده من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلي أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا» [4] .

فهذا يشعر [5] باعتبار القرب في الباب.

وقال [6] ابن حجر وغيره: إن جاءا معًا قدم الأقرب رحمًا على الأقرب جوارًا على الأصح.

الراجح

والذي ظهر لي، أن من سبق يتعين إجابة دعوته، فإن اجتمع الداعيان قدم الأدين، ثم الأقرب رحمًا لأنه الأولى بالمعروف، ولأن السيدة عائشة -رضي الله عنها- عندما سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- سألته عن الإهداء للجيران بصفة خاصة، لا لإجابة الدعوة فلا يقاس أحدهما على الآخر. والله أعلم.

الشرط الثالث: أن تختص الدعوة باليوم الأول [7] .

فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام أو أكثر، فدعي في اليوم الأول، وجب عليه الإجابة، وإن دعاه في اليوم الثاني لم تجب عليه الإجابة، ولكن يستحب، وإن دعي في اليوم الثالث لم يستحب له أن يجيب بل يكره، وقد بينت وجه الصواب فيما زاد على يومين وضوابطه فيما سبق [8] .

(1) الكافي جـ 3/ 80.

(2) أخرجه أبو داود (بذل المجهود) كتاب الأطعمة - باب إذا اجتمع الداعيان أيهما أحق جـ 16/ 85، 86، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل، قال ابن حجر: إسناده ضعيف فيه أبو خالد الدالاني، قال ابن حبان: فاحش الوهم لا يجوز الاحتجاج به. فيض القدير شرح الجامع الصغير جـ 1/ 315، وأخرجه البيهقي - كتاب الصداق - (جماع أبواب الوليمة) - باب اجتماع الداعيين. السنن الكبرى جـ 11/ 95، وقال الألباني: ضعيف. إرواء الغليل جـ 7/ 11.

(3) فيض القدير للمناوي جـ 1/ 316، فتح الباري جـ 10/ 461.

(4) أخرجه البخاري (فتح الباري) - كتاب الأدب - باب حق الجوار في قرب الأبواب جـ 10/ 461.

(5) الروضة الندية جـ 2/ 324.

(6) فتح الباري جـ 9/ 150، الإقناع جـ 2/ 139.

(7) الفتاوى الهندية جـ 5/ 343، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك جـ 3/ 208، فتح الوهاب للشيخ زكريا الأنصاري جـ 2/ 62، الروض المربع: 417، هامش السيل الجرار جـ 4/ 116، شرائع الإسلام جـ 2/ 267.

(8) راجع المسألة في مدة الوليمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت