استدعاء التاريخ
إن هذه المجالس ليست وليدة العصر الحديث، بل هي قديمة قدم التاريخ في الأمة العربية والإسلامية ولم تزل مجالس الشعراء والندماء والحكماء منعقدة في سائر الأزمان وهي منطلق الثقافة. ومبعث الاعتزاز، ومحل الترويح والتنفيس، فعرف العرب في العصر الجاهلي الأسواق الأدبية، كسوق عكاظ الذي كان يفد إليه الشعراء من كل مكان يطرحون فيه قصائدهم. وأظن لولا مثل هذه التجمعات والمنادمات لما حُفظ شعرهم، ونُقلت إلينا فرائدهم، وتواصل ذلك في العهد الإسلامي، وكان للخلفاء والعلماء مجالسهم العلمية والثقافية، بل إن المحدثين رحمهم الله، كانوا يختمون مجالس التحديث بالقصيدة، والنادرة، للتخفيف عن التلاميذ والحاضرين، حتي قال الحافظ العراقي رحمه الله:
واستُحسِنَ الإنشادُ في الأواخرِ ... بعد الحكايات مع النوادر
وهذا يفيد انقلاب الدرس العلمي إلي مسامرة ثقافية، تروح على النفوس، وتحرك المشاعر، وتذهب السآمة والمتاعب.
وكان اللغويون والنحاة والشعراء على عناية فائقة بهذه المجالس، وقد حفظ لنا التراث كتبًا تحكي شيئًا من ذلك كالامتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، ومحاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني، والأغاني لأبي الفرج، والفنون لابن عقيل الحنبلي وغيرها، واشتهرت الأندلس بمجلس ولادة بنت المستكفي، ولم تزل هذه المجالس مستمرة حتي في عصور الانحطاط والضعف، إلي أن عُرفت في العصر الحديث، فكانت هناك مجالس ثقافية في منازل الرافعي والعقاد ومحمود شاكر وسيد قطب، واشتهر صالون مي زيادة، وغيرهم.