إنك ربيتني لأكون عبدًا للدنيا فعليها أعيش، ومن أجلها ألهث وفي سبيلها أغالب، فهي محط آمالي ومحور اهتمامي ومنتهى أحلامي، ولم تربني لأكون عبدًا لله كما يحب الله، أستعد للقائه وأومن بقضائه، وألتزم بأمره، وأقف مذعنًا عند نهيه.. وهل خلقت الدنيا إلا من أجل الآخرة؟!
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينًا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء له قرينا
وسأبرهن لك على ذلك بمثال، وإن كانت الأمثلة على ذلك كثيرة ووفيرة..
فأنت تذكر- أيها الحبيب- عندما تأخرت عن المدرسة يومًا بدون عذر، ولم أصل لله تعالى ركعة واحدة في ذلك اليوم، وأنت على علم بهذا واطلاع عليه.
أسائلك بالله- يا أبتي- علام وقع لومك وعتابك؟ وعلام كان عقابك؟
إنك- يا أبتي- عاقبتني على تأخري عن المدرسة ولكنك لم تعاقبني ولم تلمني- مجرد اللوم- على عدم صلاتي، ووقوفي موقف العز بين يدي خالقي ومولاي..
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فهل تريدني أن أهتم بالدنيا أكثر من الدين؟!
وهل ترغب أن أخاف منك أكثر من خوفي من الله؟!
وهل تبتغي أن أعمر دنياي وأخرب آخرتي، فأنتقل من العمار إلى الخراب عندما ينتهي زمن المهلة ويأتي زمن النقلة؟!
لماذا حذرتني- يا أبتي- من سخطك وعقابك؟ ولم تحذرني وتنذرني من سخط الله وعقابه وأليم عذابه؟!
أكانت الدنيا أحب إليك من الآخرة؟!
أم كان الحطام الفاني العاجل خيرًا عندك وأحب إلى نفسك من النعيم الباقي الآجل؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها