فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 231

الله يعلم بداية أنه يشرع هذا الحكم لفترة محددة ثم بعد ذلك ينسخه بحكم آخر حين يتبدل حال الناس ، فهو لا يتعارض مع علم الله . ومثله أن ( تكلف خادمك بنوع من الأعمال ويكون في نيتك أن يكون على هذا العمل إلى سنة مثلًا ، وبعد السنة ستكلفه بعمل أخر لكن لم تظهر عزمك ونيتك على ما نويته ، فإذا مضت السنة وطلبت منه عمل أخر فهذا بحسب الظاهر عند الخادم وعند غيره تغيير ومخالفة لما طلبته من قبل وأما في الحقيقة وعندك فليس بتغيير.) (1)

وكأنْ يُهمل وَلَدُكَ في دروسه وواجباته ، فتمنعه من الخروج للنزهة ، تُكَلِمه بصيغة نهائية ، ( خلاص ما فيش لعب بعد النهارده ) وفي نيتك أنه إن التزم وأجاد في دروسه سمحت له باللعب ، وبالفعل حين يلتزم تسمح له ، فهذا نسخ للحكم الأول ، يبدوا عند الإبن أنه حكم جديد مضاد للحكم الأول ، ونوع من التراجع ، وأنت قد فعلت لحكمة علتها الإبن وليس الجهل ، فعلت لتحقيق مصلحة خاصة بالابن وليس بك ، فعلت وأنت تعلم بداية الحكم الأول والحكم الثاني )

هكذا النسخ في الأحكام . لا فيه جهل بالحكم الجديد ولا فيه تغير للقول من قديم لجديد ، وإنما هي حكمة الله العليم الحكيم أن يشرع لعباده ما يصلح به شأنهم في كل حين .

والخلل يأتي من قياس علم الله على علم البشر ، يظنون أن الله مثلهم يعلم الأشياء حال وقوعها ، وما دروا أن الصفة تتبع الموصوف فعلم الله ليس كعلم الناس ، وإن سُمِّي الكل علما ، الله يعلم الأشياء قبل وقوعها ، ويعلم أزلا أنه سيكون كذا ثم يتغير بكذا وكذا .

يظهر حكمة الله البالغة في تشريعاته ويُظهر أثار أسمائه وصفاته من خلال نسخ الأحكام .

(1) هذا المثال نقلته من مقال للأستاذ ياسر جبر في أحد المنتديات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت