فهرس الكتاب
يتناول أرنولد توينبي إشكالية التناقض الهائل بين المفهومين حين يقول"أما المسيحي، فيجد نفسه مكرهًا على اختيار أحد رأيين يبلبل كلاهما فكره بلبلة مفجعة. فإما أن الله ـ وهو محبَّة ـ لا بُدَّ أنه خلق كونًا ظاهر الفساد، وإما أن يكون خالق الكون إلهًا آخر غير إله المحبّة. ولقد اعتنق الملحد مارسيون في بداية القرن الثاني الميلادي والشاعر بليك في بداية القرن التاسع عشر الميلادي ـ اعتنق كلاهما ـ الرأي الأخير. إذ قام الحل الذي ذهبا إليه لهذا اللغز المعنوي، على نسبة خلق الكون إلى إله"لا حاب ولا محبوب". فعلى حين يجذب الإله المخلص النفوس بالمحبة، فإنّ الإله الخالق ليس في وسعه إلاَّ أن يفرض قانونًا ويوقع عقوبات وحشية على من يخرق هذا القانون شكلًا. وهذا الإله السوداوي المزاج الفارض نفسه سيّدًا ـ الذي رأى فيه مارسيون يَهْوَه الموسوي ودعاهُ بليك بـ"يوريزن"Urizen، وأطلق عليه تهكمًا"أبًا غير كائن"ـ لا بُدَّ أن يكون سيئًا بما فيه الكفاية، إذا كان كفؤًا على أداءِ واجباته بما يتفق ووجهة نظره المحدودة. لكن هذا الإله اشتهر بأنه يفشل في أداء واجباته بكفاءة، ولا بُدَّ أن يُرَدَّ فَشَلُهُ: إما إلى عدم كفايتهِ، أو إلى سوء نيِّته!! ولا شك أنه ليس ثمة علاقة مفهومة ـ أيًا كانت بين آثام العالم وآلامه!!" (1) .
لا شك أن هذا الذي قاله توينبي، يعكس البلبلة التي يعيشها المسيحي، منذ أن قرّر اعتماد العهد القديم إلى جانب العهد الجديد، دون أن يكون لديه مصدر مثل"القرآن الكريم"يبيِّنُ لَهُ أكثر ما كان فيه بنو إسرائيل يختلفون. حين كنتُ عاكفًا على تدوين هذه الدراسة، وكان جهاز التلفزيون مفتوحًا، دون أن أتابعه، على محطة فلسطين الفضائية، استرقت أذني فجأة اسمين من أسماء الله الحسنى في سورة كان يتلوها القارئ، وقد جاءا متعاقبين، (الضارُّ، النافع) .