فهرس الكتاب
لكنّ مقاربة ديلتش لمعنى هذا المقطع ووظيفته، تجعلنا نفكِّر في علاقة ممكنة بين (يا/ ياه) وبين (إيَّاهُ) . وفي هذه الحالة نستحضرُ قول الزجاج في تفسير (كل شيء هالك إلاّ وجهه) (القصص 88) ولا أراهُ إلاّ"إيَّاهُ"أي إلاّ ذاته. فكلمة وجه هنا تقابل"الذات"الإلهيّة بكلِّ جلالها الأعظم وعزَّتها الكبرى" (11) . فإذا كانت (ياهَ يهوه) هي (إيَّاه) أي (ذاته) ، فعندئذ سينجلي غموض هذه الكلمة تمامًا، وإن كان من الصعب علينا أن نتصوّر أن الناس في ذلك الزمن، سواءً العبريين أو الكنعانيين أو غيرهم كان يمكن أن يفكروا على هذا النحو. لكننا إذا افترضنا الدلالة المقدّسة لـ (يا) الكنعانية في بداية أسماء المواقع، فمن الممكن أن نفترض بأنّ أصحاب ديانة (يهوه) لجأوا إلى كلمة (ياهُ) أي ياهُهُهُ هُوَ مشيرين إلى السماء، لاجئين إلى ضمير الغائب للإشارة إلى إلهٍ غير مرئي في مقابل آلهة الكنعانيين المجسّمة في معابدهم. وبالتالي باتت (الهاء) جزءًا لا بُدَّ منه في الاسم فلا يكفي أن نقول (يا) لأنها تعني التعميم، إذ تخصّ آلهة متعددة، أما إذا قيل (ياهُ) فقد قُصِدَ بها إله مُحَدَّد هو هو (Hu) . ولكن من الواضح والمؤكد أن المفهوم لن يكتمل إلاّ إذا قلنا إنه (الله) . ذلك أنّ هو Hu يمكن الدلالة بها على أيِّ إله، كما رأينا في اسم الإله السلتي العناقي هو قادرن، والذي مثّل عنصر الشمس. أما (يَهْوَه) فلا يمكن أن يُعَدَّ ربًا إلاّ لبني إسرائيل أو لليهود، لأنّ اسمه كما رأينا يتضمن ذكر الميثاق (الوأي) الذي أبرمه معهم ونقضوه وتمردوا عليه، وبالتالي فهم الملاحقون بخطيئتهم، ومثل هذا الميثاق المبرم مع المسيحيين والمسلمين، كانت صورته مختلفة، فالمسيح أخذ العهد من حواريِّيه، ومحمد أخذ البيعة تحت الشجرة، وكانت"يَدُ اللهِ فوقَ أيديهم"، أي أنه صادق وآزر، ومثلما وَعَدَ عيسى بن مريم بجعل الذين آمنوا معه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وهذا ما حدث،"