فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 224

ويحاول فرويد تبرير هذه الظاهرة بالقول"إنَّ الباعث العميق على تلك المبالغة ظاهر للعيان. فلقد تحرَّى الكهنة، في سردهم، أن يوجدوا استمرارًا بين عصرهم وعصر موسى. وأرادوا أن ينفوا ما يمثل في نظرنا أبرز واقعة في تاريخ الدين اليهودي: أعني بها وجود ثغرة بين شرائع موسى والديانة اليهودية المتأخرة عنها في الزمن، ثغرة سُدَّت في البداية بعبادة يهوه، ثم تمّ التخلص منها فيما بعد رويدًا رويدًا" (21) ."ولقد كانت رواية الكهنة تخضع لنفس الميل المحرف، المشوه، الذي كان جعل من الإله الجديد يهوه، إله الآباء الأوائل" (22) . فالشعب اليهودي الذي هجر ديانة آتون التي لقّنهُ إياها موسى اعتنق عبادة إله آخر يمتّ بصلة وثيقة إلى بعل الشعوب المجاورة. وجميع الجهود التي بذلت فيما بعد لإخفاء هذه الواقعة المذلّة مُنيت بالفشل. ولكنَّ ديانة موسى تركت، بالرغم من زوالها، آثارًا، نوعًا من ذكرى، ولبثت، وإن محاطة بلا ريب بالغموض والتشويه، مأثور ماضٍ عظيم استمر يفعل فعله في الخفاء وتوطدت، رويدًا رويدًا، سطوته على النفوس، إلى أن قُدِّر له في خاتمة المطاف أن يحوِّل الإله يهوه إلى إلهٍ موسوي وأن ينفخ الحياة من جديد في ديانة كان موسى قد أقامها قبل قرون طوال ثم كان مآلها الهجر. وإنّه ليشقُّ علينا أن نفهم كيف أمكن لمأثور مخنوق أن يكون له مثل هذا التأثير على الحياة الروحية لشعب من الشعوب" (23) . ولكن لو صحَّ ادّعاء فرويد لوجب أن يتحول اليهود إلى المسيحية أو أن تتحول اليهودية إلى الموسوية. وبالطبع، فقد كان الأجدر به إعادة أصل الديانة التوحيدية إلى جذرها الإبراهيمي وليس إلى ديانة آتون الشمسية، وإن كانت العودة الحقيقية إلى ملة إبراهيم حنيفًا لم تتحقق إلا بالإسلام، حين أقرّ مبدأي وحدة الخالق (الله) والشمولية الكونية للدعوة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت