فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 224

يتناول مرسيا الياد بدوره هذه النقطة، فيقول إنه"يوجد بدئيًا الواقع الذي ولدت فيه اليهودية ضمن وسط من الرعاة وتطورت ونمت في الصحراء. إنَّ العودة لليهوية الصرفة ستبدو ماثلة كعودة لحالة الصحراء، وسيكون هذا المثل الأعلى البدوي للأبناء. وتمامًا مثل رب الأب، فإنّ يهوه لم يرتبط بمكان متميّز. غير أنَّ للفوارق دلالتها. ففي حين كان رب الأب مغفلًا، فإنّ يَهْوَه اسم علمٍ أوضح سِرَّهُ وعظمته. إنَّ العلاقات بين الإله والمؤمنين قد تغيَّرت: فلم يعد الكلام مطلقًا عن رب الأب وإنما عن"شعب يهوه". وإن فكرة الاختيار الإلهي الماثلة في العهود المقطوعة لإبراهيم تتحقق. يَهْوَه يدعو ذريّة الآباء"شعبي". إنهم حسب تعبير ر. ديفو"ملكيته الشخصية". وبتتبعنا عملية تمثل رب الأب لإيل فإنَّ يَهْوَه أيضًا قد تماثل به" (5) .

لعلّه لن يتسنّى لنا أن نفهم هذه المسألة، للعلاقة المتمايزة بين مستويين عقليين: مستوى يدعو لإله أعلى هو"رب العالمين"مثلما أدركه عقل إبراهيم الخليل وهو فتىً بتقليب بصره في السماء، ومستوىً لا يستطيع إلاّ أن ينتقل من فكرة رب الأب إلى فكرة"رب القبيلة"أو"رب الشعب"، وهذان المستويان المتمايزان بالذات، هما اللذان يكمنان وراء قوله تعالى"إنّا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النبيُّون الذين أسلموا للذين هادوا" (المائدة 44) . فالذين هادوا لم يستطيعوا الارتفاع إلى مستوى الإسلام، ولو أنهم ارتفعوا إلى مستوى الإسلام بعد كلِّ هذا الزمن لما شهدنا ظاهرة إقامتهم للكيان الصهيوني الاستيطاني في فلسطين الآن، فهذا الكيان هو وليد يهوديتهم الجامدة عند حَدٍّ مُعَيَّن لا تستطيع أن تتجاوزه إلى المستوى الذي أراده الأنبياء الحقيقيون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت