وفي هذا إشارة واضحة على استعدادهم لتقبل النظام الجديد وما سيبنى عليه من فسخ اتفاقاتهم السابقة مع عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان اتُفِقَ على تتويجه ملكًا على المدينة، وكذلك يعني دخول علاقاتهم مع قبائل اليهود المحيطة بالمدينة طورًا جديدًا يخضع للنظام الجديد، وهو ما حصل بعد ذلك.
وبمجرد أن وصل النبي الكريم أبواب المدينة في هجرته إليها خرج له مئات الأنصار مسلحين يستقبلونه، قائلين له وكان معه أبو بكر الصديق: (أدخلا آمِنَينِ مطاعين) .
وعليه؛ فقد كانت بيعة العقبة الثانية بمثابة تأسيس لانقلابٍ على كافة الأوضاع القائمة في المدينة بخاصة والجزيرة العربية بعامة والتي انتهت بولادة أول دولة للإسلام وبإقامة نظام حكم فريد ومتميزعن كافة ما هو سائد من نظم حكم في حينها.
وُيلحظ من تتبع سيرة النبي الكريم أنه كان يعمل لتحقيق ذلك النظام وإقامته منذ وقت مبكر من دعوته.
وبهذا يظهر جليًا أن القصد من وراء حيازة السلطة لم يكن الملكَ أو الزعامةَ أو الثروةَ، ولم يكن المراد مجرد اقتباس ما هو رائج وشائع من أنظمة حكم وصبغها بصبغة الإسلام، بل كان المطلوب أن يتحقق من تلك السلطة ولادة نموذج معين في الحكم من حيث الشكل والمضمون، نظام يجسد إظهار أمر الله على النحو الذي يرضيه، ولهذا كان لا بُدّ من الوقوف بدقة على النموذج الذي أقامه الرسول الكريم بغية فهمه وإقامته مجددًا في حياة الأمة.
وأخيرًا ...
فإنه من الخطأ أن يقال؛ إن هذا النظام أو النموذج لم يطبق سوى في العهد النبوي وفي فترة الخلافة الراشدة ومن ثم تحول نظام الحكم الإسلامي إلى نماذج أخرى، ولذا فمن الممكن الآن وبعد طول زمان من اعتماد نظام حديث وشكل مغاير لكل ما سبق طالما أن ذلك يحقق المقاصد العامة للشريعة، نعم من الخطأ أن يقال ذلك، فبغض النظر عن صدق ما بني عليه هذا الادعاء من أحكام أو من بطلانه أو من عدم دقته وإمكان دحضه، فهذا ليس موضوعنا هنا، إلا أننا كمسلمين يجب علينا أن نتحدث عن دولة الإسلام، تلك التي سعى النبي وأصحابه لإقامتها، والتي توفي النبي الكريم وهي قائمة تامة متكاملة، والتي تعتبر النموذج الوحيد الصالح شرعًا كمعيار لتقويم كافة أنظمة الحكم من حيث الصحة والبطلان أوالاستقامة والانحراف.
والمطلع على نظام الحكم في الإسلام والمعايير التي تحكمه يجد أنها غير متوفرة بأي من الأنظمة السياسية القائمة في العالم اليوم، فنظام الحكم في الإسلام يتناقض مع الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية، كما يخالف الأنظمة القومية والوطنية بكل أشكالها - ديقراطية كانت أو دكتاتورية -
فنظام الحكم في الإسلام هو دولة الخلافة، وقواعده التي يبنى عليها هي الحكم بالإسلام ووحدة الأمة وبيعة إمام واحد على كتاب الله وسنة رسوله، وأجهزته الأساسية تتعلق بالخليفة ومعاونيه والجهاد والولاة والقضاة والإدارة ومجلس الأمة، وأما تفاصيل دولة الخلافة فإنها كثيرة قام بتناولها وشرحها علماء الأمة قديمًا وحديثًا ضمن مصنفات السياسة الشرعية والأحكام السلطانية والدستورية.