الصفحة 2 من 4

وكان الخليفة رمزا شرعيا يربط بين الهوية، والنظام السياسي، ربطا وثيقا، بكلّ ما يعطيه هذا الربط من آثار عظيمة على الأمّة.

ولهذا فقد نزل سقوط الخلافة على الأمة الإسلامية نزول الصاعقة، فلاجرم عبَّر شوقي عمّا في نفسه، من هوْل هذه الحدث الجلل، بهذه الأبيات التي سارت بها الركبان:

ضَجَّتْ عليكِ مآذنٌ ومنابرٌ ... وبَكتْ عليكِ ممالكٌ ونَواحِ

الهندُ والهةٌ ومصرُ حزينة ٌ ... تَبْكي عليكِ بمَدمَعٍ سَحّاحِ

والشّامُ تسْألُ والعِراقُ وفَارسٌ ... أَمَحَا من الأرضِ الخلافةَ ماحِ؟

وكانت مصر ـ بعد تركيا ـ قلب الأمّة، ومنبرها الثقافي، وثقلها السياسي، فدخلت قوات الإحتلال البريطاني إثر سقوط الخلافة، وبعدما أعلنت بريطانيا زوال سيادة تركيا على مصر بتاريخ 18 ديسمبر 1914م، وأطلقت الجيوش البريطانية الأحكام العرفية، ووضعت الصحف تحت الرقابة، وكممت الأفواه، ثم أتسع الخطر وانتشر إلى أصقاع الإسلام، وشرع الغرب في إعلان حرب مفتوحة على الحضارة الإسلامية منذ ذلك الحين، إلى يومنا هذا.

وانتشر السخط الممزوج بالحزن والأسى والألم، في نفوس الأمّة، فلأوَّل مرة في تاريخها يستمد سلطان في بلاد الإسلام ولايته من سلطة نصرانية، بعدما كان يستمدها من الخليفة، إذْ قبل سلطان مصر حسين كامل منصبه من القائم بأعمال الوكالة البريطانية، بعد أن كان الخديويون يرتقون العرش بفرمان سلطاني يحمله مندوب خاص من خليفة المسلمين.

ثم زاد السخط والغضب بين المسلمين عامّة، و المصريين خاصّة، بعدما اتخذ البريطانيون مصر مركزا للقواعد الشرقية، لإدارة الهجمات على الخلافة الإسلامية، وتحطيم الأمّة، وتمزيق حضارتها، وجعلوا القاهرة مركز الأنشطة الجاسوسية.

وقُمع هذا الغضب بالحديد والنار، ثمّ سَخَّرت بريطانيا ـ كما تفعل أمريكا هذه الأيام ـ لتمرير غزوها الصليبي الغازي لبلاد الإسلام سخرت إمكانيات بلاد الإسلام نفسها، وثرواته، وجهود أبناءه، وأقلام وعقول المرتزقة منهم، وحتى فتاوى علماء الشريعة المنافقين، وذلك لإنجاح مخططها الصليبي، فوقع العالم الإسلامي ـ ولأوّل مرة في تاريخ بهذه الصورة الشاملة ـ تحت إحتلال نصراني صليبي غربي، يملك من وسائل المكر، ومُكْنة التخطيط، وأسباب القوة، ما تزول به الجبال الرواسي،

وكان يعمل بكلّ ما أُوتي من قوّة لتحقيق ثلاثة أهداف خطيرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت