ولهذا كانت كلمة التوحيد: أفضل الكلام وأعظمه , فأعظم آية في القرآن آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 225] وقال - صلى الله عليه وسلم: (( من كن آخر كلامه من الدنيا , لا إله إلا الله , دخل الجنة ) )والإله هو الذي يألهه القلب , عبادة له , واستعانة به , ورجاء له , ومحبة , وخشية , وإجلالًا , انتهى.
وقال العلامة ابن القيم: وأما الشرك فهو نوعان أكبر وأصغر , فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه , وهو أن يتخذ من دون الله ندا , يحبه كما يحب الله , بل أكثرهم يحبون آلهتهم أكثر من محبة الله , ويغضبون لمنتقصي معبوديهم من المشائخ , أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين , وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة , ويزعمون أنه باب حاجة إلى الله , وشفيعه عنده , وهكذا كان عباد الأصنام سواء , وهذا القدر هو الذي قام في قلوبهم , وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم , من الحجر والبشر.
قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربون إلى الله زلفى} إلى قوله {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [الزمر: 3] وما أعز من يتخلص من هذا , بل ما أعز من لا يعادي من أنكره , والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه , وأبطله , وأخبر أن الشفاعة كلها له , وذكر قول الله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم ظهير* ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} الآية [سبأ: 22 - 23] .
ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها , ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته , و يظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا , وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن , كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة , إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية , وهذا لأنه لم يعرف الشرك , وما عابه القرآن وذمه , فوقع فيه وأقره , وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية , فتنقض بذلك عرى الإسلام , ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا , والبدعة سنة , والسنة بدعة , ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد , ويبدع بمتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومفارقة الأهوى والبدع , ومن له بصيرة وقلب حي , يرى ذلك عيانًا , والله المستعان.