ثم قال: وأما الأصغر فكيسير الرياء , والحلف بغير الله , وقوله هذا من الله ومنك , وأنا بالله وبك , ومالي إلا الله وأنت , وأنا متوكل على الله وعليك , ولولا أنت لم يكن كذا وكذا؛ وقد يكن شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
قلت: فلما قال: وقد يكون أكبر , أخذ يبين أنواع الأكبر , فقال: ومن أنواعه النذر لغير الله , والتوكل على غير الله , والعمل لغير الله , والإنابة لغير الله , والخضوع والذل لغير الله , وابتغاء الرزق من غيره , وإضافة نعمه إلى غيره؛ ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى , والاستغاثة بهم , والتوجه إليهم , وهذا أصل شرك العالم , فإن الميت قد انقطع عمله , وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا , فضلًا لمن استغاث به , وسأله أن يشفع له عند الله.
وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده , فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحدًا إلا بإذنه , والله لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه , وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد , فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن؛ والميت يحتاج إلى من يدعو له , كما أوصانا النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا زرنا قبور المسلمين , أن نترحم عليهم , ونسأل الله لهم العافية والمغفرة , فعكس المشركون هذا , وزاروهم زيارة العبادة , وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد , فجمعوا بين الشرك بالمعبود , وتغيير دينه , ومعاداة أهل التوحيد , ونسبتهم إلى التنقص بالأموات.
وهم قد تنفصوا الخالق بالشرك , وأولياءه الموحدون بذمهم , ومعاداتهم , و تنفصوا من أشركوا به غاية التنقص , إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا , وأنهم أمروهم , وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان , وما أكثر المستحبيبين لهم؛ ولله در خليله إبراهيم , حيث يقول: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس} [إبراهيم: 35 - 36] وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر , إلا من توحيده الله , وعادى المشركين في الله , وتقرب بمقتهم إلى الله , انتهى.
فرحمة الله ومغفرته ومرضاته على هذا الشيخ , ما أحسن بيانه وأوضحه , فقد صرح بأن هذا هو الشرك الأكبر , فبطل ما افتراه عليه المشركون؛ وهذا الذي ذكره , هو الذي عمت به البلوى في كثير من الأمصار , في هذه الأعصار , وهو الشرك الأكبر , والذنب الذي لا يغفر , إلا أن يتاب منه قبل الوفاة.
وقال رحمه الله , في الكافية الشافية شعرًا:
والشرك فهو توسل مقصوده الز ... لفى من الرب العظيم الشان
بعباده المخلوق من حجر ومن ... بشر ومن قبر ومن أوثان
والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران