فالغاية الحميدة , التي بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم: عبادة الله وحده , وهي حقيقة لا إله إلا الله , وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص , لم يكن من أهل النجاة والسعادة , كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116] فمن آمن بأن الله رب كل شيء و خالقه , ولم يعبد الله وحده , بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه , و أخشى عنده من كل ما سواه , وأرجى عنده من كل ما سواه , بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب , بحيث كما يحب الله , ويخشاه الله , ويرجوه كما يرجو الله , ويدعوه كما يعو الله , فهو مشرك الشرك الذي لا يغفره الله , ولو كان مع ذلك عفيفًا في طعامه ونكاحه، وكان حليمًا شجعًا انتهى.
وقال العلامة ابن القيم , رحمه الله تعالى - بعد ذكره الشرك في الربوبية - النوع الثاني: أهل الإشراك بالله في إلهيته , المقرون بأنه وحده رب كل شيء , و مليكه وخلقه , وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين , ورب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، وهم مع يعبدون غيره , ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة والتعظيم , وهم الذين اتخذوا من دونه أندادًا , فهؤلاء لم يعرفوا {إياك نعبد} حقه , وإن كان لهم نصيب من {نعبدك} لكن ليس لهم نصيب من {إياك نعبد} المتضمن معنى لا نعبد إلا إياك , حبًا وخوفًا ورجاء , وطاعة وتعظيمًا فـ {إياك نعبد} تحقيق لهذا التوحيد , وإبطال للشرك في الإلهية , كما أن {إياك نستعين} تحقيق لتوحيد الربوبية , وإبطال للشرك به , وكذلك قوله: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 6 - 7] فإنهم أهل التوحيد , وهم أهل التحقيق {إياك نعبد و إياك نستعين} .
وأما أهل الإشراك , فهم أهل الغضب والضلال , فإن هذا الانقسام ضروري , إلى عالم بموجبه , وهم أهل النعمة , وعالم به معاند له , وهم أهل الغضب , وجاهل به , وهم الضالون , وهذا الانقسام إنما نشا بعد إرسال الرسل , فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة , فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون هذه الرسالة , انتهى.
والمقصود من هذه المقدمة , العلم بأن التوحيد الذي بعث الله به رسله , غريب في الناس جدًا، وأكثرهم لا يعرف حقيقته , ولا يعرف الشرك الأكبر المنافي له , وغاية ما عندهم هو أن يعرف أن الله تعالى ربه و خالقه , وخالق جميع المخلوقات ورازقهم ,والمتصرف فيهم , وقد عرفت مما سلف: أن أكثر