والتباكي والعويل , وحاول قلب الحقائق , فاستهجن الصدق والمعروف , واستحسن الباطل , لكونه عنده هو المألوف , فأعظم بها عقوبة أطفأت نور العقل , وأعمت البصيرة، فصاحبها في ظلمات الجهل والريب.
ولما قال رجل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هلكت إن لم آمر بالمعروف , وأنه عن المنكر؛ فقال ابن مسعود: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف، و ينكر المنكر؛ قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنوب , وأنا أخاف الكفر , يا ربنا نسألك الثبات على الإيمان.
ومما يجب أن نعلم: أن الله تعالى فرض على عباده الهجرة , عند ظهور الظلم والمعاصي , حفظًا للدين، وصيانة لنفوس المؤمنين عن شهود المنكرات , ومخالفة أهل المعاصي والسيئات , وليتميز أهل الطاعات والإيمان , عن طائفة الفساد والعدوان , وليقوم عَلَمَ الجهاد , الذي به صلاح البلاد والعباد؛ ومن المحال: أن تحصل البراءة من الشرك , والظلم والفساد , بدونها.
ومن لوازم ترك الهجرة غالبًا: مشاهدة المنكرات , ومداهنة أرباب المعاصي والسيئات , و موادتهم، وانشراح الصدر لهم , فإن الشر يتداعى ويجر بعضه بعضًا , فلا يرضون عمن هو بين أظهرهم بدون هذه الأمور , ولا بد من رضاهم , والمبادرة في هواهم.
ثم إنه قال قولًا ينبئ من له أدنى معرفة: أن هذا لا يصدر إلا ممن هو غريق في الجهالة , قد عري من المعقول والمنقول؛ وذلك قوله: إن الله قَّدم حرمة ابن آدم على حرمته , و إباحة ما حرم عليه , من أكل الميتة , إذا خاف على نفسه الضرر.
ووجه خطئه وجهله: أنه جعل ذلك أصلًا , قاس عليه ترك الهجرة , وفي زعمه أنه اضطر إلى تركها , كما اضطر إلى الأكل من الميتة , من خاف على نفسه التلف؛ فأقول: لا يخفى ما في هذا القياس من الفساد، وذلك من وجوه.
منها: أنه في مصادمة نصوص الكتاب والسنة , التي دلت على وجوب الهجرة , على مَن له قدرة عليها , وإن كان يتوقع بها القتل والموت , كما أنه لا يترك الجهاد خوفًا من القتل , كما قال تعالى: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لكفرن عنهم سيئاتهم و لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثواب} [آل عمران: 195] وقوله تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا وإن الله لهو خير الرازقين} الآية [الحج: 58] .