الصفحة 124 من 461

يرجو رحمته ويخاف عقوبة ذنبه ,كما قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} الآية [المؤمنون: 60] يسير إلى الله بين مشاهدة منة من الله عليه , ومطالعة عيب نفسه (( أبوء لك بنعمتي علي , و أبوء بذنبي ) ).

وأما الفاجر: فقلبه خال من خشية الله , آمن من مكر الله , يمضي في الغفلة والمعاصي , قدمًا قدمًا , فيا عجبًا من صاحب هذه الورقة! ما الذي يؤمنه؟ قد تلطخ بما تلطخ به , والمعاصي بريد الكفر , وكان الواجب عليه أن يغص من العبرات , ويسبل الدموع في الخلوات و الجلوات , على ما فرط فيه من الطاعات , ووقع منه من الفرطات.

فاهتمامه من نفسه لنفسه , أولى من الاهتمام بما قيل أو يقال: فلو صح عن أحد لكان فيه إجمال , ويتطرق إليه الاحتمال , على أنه ليس من قبيل المحال , الذي لا ينسب إلا إلى الطغام و الجهال؛ فأين الأسباب المؤمنة لهذا المسكين , من أن يقع في زيغ الزائغين , وطريق الأئمة المضلين؟ وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) ).

وأما شتمه لخواص من أهل الهجرة والدين , وتسميتهم بالجهال الطغام , فهو دليل على إعجابه بنفسه ورضاه بعمله؛ وذلك من أكبر الذنوب , وأعظم العيوب، فإنه من تدبر القرآن , وتفكر فيما قصه الله تعالى عن أهل الكتاب , وأمثالهم من أهل الفهم والرأي , وأنهم تركوا الحق الذي بعث الله به من أهل الفهم والرأي , وأنهم تركوا الحق الذي بعث الله به رسوله بعد ظهوره , واختاروا لأنفسهم أسباب الردي والهلاك , ولم ينفعهم الله بعلمهم , ولا برأيهم وفهمهم , خاف على نفسه من أن يزيغ كما زاغوا , وأن يضل كما ضلوا؛ وهذا إنما يحصل بتوفيق الله ورحمته لعبده.

وصاحب هذا الكلام , قد نسي ما وقع منه من المداهنة و الموادة , لأرباب البغي والعدوان , على أهل الإسلام والإيمان , والصد عن سبيل الله، فأعظم بها من ذنوب , ومثالب وعيوب , وما ذكرنا من الواقع , من كثير من أعيان أهل نجد , لا يمتري فيه من في قلبه أدنى حياة.

وظاهر حال المعترض: أنه لما جهل حقيقته هذا الذنب العظيم , عده من أنواع الواجب , والجائز , والمكروه؛ وكلامه في ورقته يدور على هذه الثلاثة , فلذلك استوحش مما أنس به المسلمون , وأنس بما استوحش منه العارفون , فلو تصور الواقع منه , لسالت على الخد منه دموع المحاجر , وغصت من مخافة الوعيد تلك الحناجر , كما دل عظيم ذلك الذنب الكثير، من الآيات والأحاديث و البينات

واعلم: أن هذا المغرور , لما كذبته ظنونه التي قعدت به هن الواجب الهجرة والجهاد , وتبين انه أخطأ سبيل الهدى والسداد , وعلم أن المسلمين قد ميزوه بحاله , وقبيح فعاله , بادر إلى التشكي والتهويل ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت