الصفحة 123 من 461

واعلم: يا من له عقل ونور , يمشي به في الناس , أني تأملت (( الورقة ) )التي قدمت الإشارة إليها (((أي في الصفحة 204 ) )) وهي لحمد بن علي المرائي , فإذا هو قد حشاها بالرعونات , والحماقات , التي هي من نتائج الجهل الصميم , والعقل غير المستقيم , فإذا نظر فيها العاقل , علم أنها لا تصدر إلا من جاهل معجب بنفسه , لإقامتها بين جهل العوام , فإن أكثرهم لا يميز بين الصحيح من السقيم من الكلام , فلو كان ما أبداه من أساجيعه , من وراء كفاية وعن علم ودراية , لكان أحرى بمراجعة الصواب , والرجوع عما أخطأ فيه من الخطاب , وقد قال بعضهم شعرًا:

ولو كان هذا من وراء كفاية لهان ولكن من وراء تخلف

فأعجب لقوله: أما بعد: فيقول العبد المسترشد للعلم والعمل , لا للمراء والجدل.

فالجواب: تأمل أيها المصنف ما بعد هذا من كلامه , تجده مناقضًا لما قال , مشتملًا على المراء والجدال , كحال أمثاله من أهل الأهواء , ويخبط على أثرهم خبط عشواء , وقد تضمنت رسالته من الاحبولات للجهال , والتلبيس على من عقولهم كعقول الأطفال.

فمن ذلك: أنه أكثر الحط على من يقول على الله بلا علم , ولا شك أن ذلك من أكبر الذنوب , وأعظم المثالب والعيوب , ولكنه اتزر بما عابه من ذلك , وارتدى في آخر مقاله والابتداء , وهكذا حال من لا علم لديه , ولا دراية له تنسب إليه , فتراه يعيب أمرًا وهو يتقلب فيه , فتارة يظهره , وتارة يخفيه , وكل ينضح بالذي فيه، فتأمل ما سيأتيك من جوابه , ترى عجبًا.

ثم إنه قال: والمسألة المشار إليها , و المسؤول عنها , هي التي غصت بها الحناجر , واسبلت على الخدود دموع المحاجر , وهي قول الجهال الطغام: من أقام ببلد قد استولى عليها العساكر , ولا عنها هاجر , فهو كافر.

فالجواب: أن هذا قول مختلق , ولا نعلم قائلًا به على الإطلاق , كما زعم صاحب الورقة , وهذا من بهرجه وزبرجه وتهويله , أسوة أمثاله ممن يفترى على المسلمين , ويقوِّلهم ما لم يقولوا , ليدفع بهذا عن نفسه الشناعة , وليس بنافعه شيئًا , بل هو عين الضرر عليه , لأنه تشبث بما لا يجدي , وليس عند أهل الأهواء إلا التلبيس نعهم حق يعتمد عليه , ولا برهان لهم تطمئن نفوسهم إليه فترى أحدهم ضيق الصدر والبال , لأن بضاعته إنما حقيقتها الشكوك والخيال.

بخلاف صاحب الحق , فإن معه من البصيرة والعلم واليقين , ما يدفع الشك والإلباس , ويهون عليه مؤنة المعارضين من الناس , وأكبرهم المؤمن ما بينه وبين ربه ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت