: 84 - 89] فإذا أقروا أن الله رب كل شيء و مليكه , وأنه المتصرف في جميع خلقه , لزمهم أن يعبدوه وحده , فإن الإقرار بهذا التوحيد , يستلزم الإقرار بالنوع الآخر , ولا بد منهما جميعًا.
وأما الثالث من أنواع التوحيد , فهو: أن تصف الله تعالى بما وصف به نفسه , ووصفه رسوله , على ما يليق بجلال الله , إثباتًا بلا تمثيل , وتنزيهًا بلا تعطيل , فإن صفات الرب تعالى وأسماءه , تدل على كمال الرب تعالى , وتنفي عن الله ما نفى عن نفسه , ونفى عن نفسه , ونفى عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - , من كل ما ينافي كمال حياته و قيوميته , وكما غناه , كما نزه الله عنه نفسه , ونزهه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] وقوله تعالى: {قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد* ولم يولد* ولم يكن له كفوًا أحدًا} [الإخلاص] .
وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (( إن الله لا ينام , ولا ينبغي له أن ينام ) )الحديث ونحوه هذا مما نزه الله عنه نفسه , ونزهه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - كثير في الكتاب والسنة , فالمهديون المؤمنون: يثبتون ما أثبته الله ورسوله , من معاني أسمائه , وصفاته، على ما يليق بجلاله , وينفون عنه مشابهة المخلوقين , وسمات المحدثين , وينفون عنه ما نفى عن نفسه , ونفاه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من كل ما لا يليق به , والله أعلم.
فما عز من يعرف حقيقة التوحيد , بل ما أعز من لا يعادي من عرفه ودعا إليه , فلقد عم الجهل بالتوحيد , حتى نسب أهله إلى الابتداع , ونسب من أنكره إلى الإتباع.
وما أحسن ما قال العلامة ابن القيم , رحمه الله تعالى , لما ذكر حديث (( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ ) )بل الإسلام الحق، الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه اليوم , أشد غربة منه في أول ظهوره , وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة , مشهورة معروفة , فالإسلام الحقيقي فينا , غريب جدًا , وأهله غرباء بين الناس.
وكيف تكون فرقة واحدة , بين فرق لهم أتباع ورياسات , ومناصب وولايات , لا يقوم لها سوق إلا في مخالفة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن نفس ما جاء به يضاد أهوائهم و لذاتهم , وما هم عليه من الشبهات , التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم , والشهوات التي هي غاية مقاصدهم وإرادتهم , فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله , على طريق المتابعة غريبًا بين هؤلاء , الذين قد اتبعوا أهوائهم , وأعجب كل منهم برأيه , فإذا أردت معرفة الإعراض عن الذين , تعلمًا وعملًا , فتأمل ما هم عليه , فالله المستعان.