الصفحة 127 من 461

الوجه الثاني: عدم الجامع , ووجود الفارق , فإن الحكمة في إباحة تناول لقمه من الميتة إذا اضطر إليها , قد أبيحت له في تلك الحال , لأن لأكل واجب , صيانة للنفس عن الهلاك , طاعة لله , مطلوب لما يفضي إليه ذلك , من التقوى على أداء الفرائض والطاعات.

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: ومن المحرمات ما يباح عند الضرورة , كالدم والميتة , فهذه في حال الإباحة ليست محرمة أصلًا , وليس له أن يعتقد تحريمها حينئذ , وإنما تنازع العلماء , هل السبب الحاظر لها موجود وقت الضرورة , وأبيحت للعارض الراجح , أو السبب الحاظر زائل , وهذا مبني على مسألة تخصيص العلة؛ فمن قال: إن العلة تخصص , يقول: إن علة الحظر قائمة , ولكن تخلف حكمها لمانع , ومن قال لا تخصص , قال: إن علة التحريم لا توجد مع عدم التحريم , والنزاع لفظي.

قال رحمه الله: فإن الأكل والشرب واجب , حتى لو اضطر إلى الميتة , وجب عليه الأكل عند عامة العلماء , لأن العبادة لا تؤدى إلا بهذا , وما لا يتم الواجب إلا به , فهو واجب , انتهى.

قلت: وهذا موجود في الهجرة وأولى: لأن العبادة لا تؤدى إلا بها , ولا يقوم الدين والعمل به إلا بالهجرة , فبالهجرة يحفظ المرء دينه , ويتمكن من العمل به , ويعادي ويوالي فيه , وغير ذلك من المصالح الدينية , التي تفوت الحصر , فلو احتجنا إلى القياس , لكان هذا من قياس الأولى , عكس ما عند صاحب الورقة , فإن ضرورة العبد إلى الهجرة فوق كل ضرورة , ولو كان فيها تلف النفس والمال , فالعبد مضطر إليها عند الحاجة إليها , أعظم من ضرورته إلى الطعام والشراب.

ثم اعلم: أنه من كبير جهله , أخذ يقيس ترك ما وجب فعله , على فعله , فقاس الترك على الفعل , وقاس المحرم على الواجب , وهذا أفسد شيء وأبعده عن القياس , فالعكس والحالة هذه , أشبه بالقياس صورة ومعنى , فتأمله فإنه يطلعك على جهل هذا الرجل , فالعارف: يلتمس له العذر من حيث أنه جاهل , ولولا جهله لكانت هذه فرية منه عظيمة على دين الله.

ومن المعلوم عند من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة: أن الهجرة من أعظم فرائض الدين , وهي اصل وقاعدة من قواعد الإسلام , التي ينبني عليها الكثير من الأحكام , ومن جهله أنه لم يميز بين الضرورة والضرر , كم قد عرفت من كلامه الذي أسلفته؛ ومن المعلوم عند من له بصيرة ممنوعة من أصلها.

فغاية ما في الهجرة: بان فيها مشقة في المبادئ على النفس , من جهة مفارقة المألوفات , من الوطن أو المال , أو غيرها من الأصناف الثمانية , المذكورة في أول سورة براءة , وهذا شأن الشرائع , كالجهاد فإن فيه مشقة , كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحب شيئًا وهو شر لكم} الآية [البقرة: 216] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت