ولم يعذر الله تعالى ناسًا تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك , بما فيها من المشقة , حتى قال الله فيهم شر ما قال لأحد , فقال: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} [التوبة: 95] ومن المعلوم: أنه ليس في ترك الجهاد من المفاسد في الدين ما في ترك الهجرة , وأكثر منها , كما لا يخفى على ذوي البصائر والفهم , وكان الجهاد من ثمرتها ومصالحها.
قال شيخ الإسلام بن تيمية , رحمه الله تعالى: والشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها , وتعطيل المفاسد وتقليلها , فهي تأمر بما يترجح مصلحته , وإن كان فيه مفسدة مرجوحة , كالجهاد , وتنهى عما ترجحت مفسدته , وإن كان فيه مصلحة , كتناول المحرمات من الخمر وغيره؛ ولهذا أمرنا الله: أن نأخذ بأحسن ما أنزل إلينا من ربنا , والأحسن أمرنا الله: أن نأخذ بأحسن ما أنزل إلينا من ربنا , والأحسن إما واجب أو مستحب , قال تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] فأمر بإتباع الأحسن والأخذ به , قال تعالى: {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب} [الزمر: 17 - 18] فاقتضى أن غيرهم لهم يهده , انتهى.
وتأمل: ما وقع فيه التاركون للهجرة , من سوء الحال في الدين والدنيا , فيا لها من عبرة ما أبيها لمن اعتبر , والحمد لله الذي أنقذ من شاء من عباده من المهالك برحمته , وأهلك من شاء بعدله {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة وإن الله لسميع عليم} [الأنفال: 42] .
فإذا عرفت ذلك: فأقول: عجبًا لهذا المفتري المغرورة , كيف تجسَّر على الخوض في أحكام الله ودينه , بضرب الأمثال , و الأقيسة الفاسدة , وهو لا يعرف القياس وشروطه , والمقبول منه والمردود , بل ولا يعرف أنواعه , كقياس الأولى , والعلة , والدلالة , والشبه , والمخالفة؛ ولا يعرف ممن لا يجوز منه , ومن يجوزه من العلماء عند الضرورة , من لا يجوزه منهم مطلقًا.
ومن أنكره من علماء السلف، كجعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهما فأنه أنكره على أبي حنيفة رحمه الله، كما هو معروف عنه عند العلماء , يروونه عن ابن شبرمة , أنه قال لأبي حنيفة: اتق الله ولا تقس، فإنا نقف غدًا نحن ومن خالفنا بين يدي الله تعالى , فنقول: قال الله , قال رسوله؛ وتقول أنت وأصحابك: رأينا وقسنا، فيفعل الله بنا وبك ما شاء.