الصفحة 129 من 461

وعن ابن عباس: لا تقيسوا الدين , فإن الدين لا يقاس؛ وأول من قاس إبليس، أخرجه الديلمي؛ وقال ابن سييرين: القياس شر، وأول من قاس إبليس , وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس؛ وقال الأمام أحمد ,رحمه الله تعالى: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس.

وقال شيخ الإسلام بن تيمية قدس الله روحه: إنما المتبع في إثبات أحكام الله , كتاب الله , وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسبيل السابقين الأولين , لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة , نصًا أو استنباطًا بحال.

وأما الأقيسة الفاسدة , فإنها أكثر ما عند أهل الضلال , وأول من قاس إبليس؛ وقال: إن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات , و القياسات من هذا النمط كثير , انتهى كلامه رحمه الله.

والمقصود: أن يعلم المسلم أن بذل النفوس في طاعة الله ومرضاته , أمر مطلوب للرب تعالى من عبده , ليكون الدين كله لله , فمن رغب بنفسه عن ذلك , وآثر مرادها وراحتها وشهوتها , على مراد ربه , وإقامة دينه , وطلب مرضاته , فقد عرض نفسه لمقت الله وعقابه , وحرم نفسه ما حصل للمؤمنين المتقين , من جزيل ثوابه؛ فلا يرجونّ عبد إلا ربه , ولا يخافنّ إلا ذنبه , ومن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.

ثم إن هذا المغرور المسكين قال: وأباحه الكفر إذا أكره عليه , قال عز من قائل {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره} [النحل: 106] نزلت في عمارة بن ياسر , أخذه المشركون , فلم يتركوه حتى سب النبي - صلى الله عليه وسلم - , فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كيف تجد قلبك قال مطمئن بالإيمان.

فالجواب - وبالله التوفيق - أن نقول: لا يخفى أن هذا الرجل , ادعى لنفسه أمرًا لا وجود له ولا حقيقة , واستدل بدليل هو في الحقيقة عليه لا له , وذكر أمرًا مجملًا مبهمًا , تشبيهًا على العامة , ليلبس عليهم أمر دينهم؛ وفي ضمنه: إنه أقر على نفسه بما صدر منه , مما لا يحبه الله ويرضاه , غير أنه اعتذر عن نفسه بالإكراه.

ومن له أدنى مسكة من عقل وتمييز , يعلم أنه لا عذر لهذا الرجل فيما قد صدر منه، فإن دعواه الإكراه ممنوعة , لأنه إن كان على الإقامة عندهم , فهذا باطل قطعًا , لأنهم لم يحسبوه ولم يجعلوه في وثاق , ولم يجعلوا على كل نقب من نقوب القرية حرسًا , يمنعه الخروج منها , ولا جعلوا على طرقاتها رصدًا , والمناهل قريب , وفيها القبائل والفرار بالدين واجب؛ فأين الإكراه؟

هذا وقد حصل منه الإقبال و الإدبار , والتصدر والافتخار , ما هو معلوم عند من يعرف هذا الشخص بالاضطرار؛ فأين حال هذا وأمثاله من حال عمار؟ رضي الله عن عمار، فإنه تبرأ من المشركين وسبهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت