الفضلة من قلبه , وقوله وعلمه , وسواه المقدم في ذلك , فما قدره حق قدره , وما عظمه حق عظمته , وهل قدره حق قدره من سالم أعداءه الجاحدين له المكذبين لرسله؟ وأعرض عن جهادهم وعيبهم , والطعن عليهم , ولاقاهم بوجه منبسط , ولسان عذب , وصدر منشرح , ولم يراع ما وجب عليه من إجلال الله وتعظيمه , وطاعته , جراءة على ربه , وتوثبًا على محض حقه , واستهانة بأمره.
خلافًا لأصحاب الرسول وبدعة ... وهم عن سبيل الحق أعمى وأجهل
الوجه الرابع: أنه لا بد في إباحة السفر , إلى بلاد المشركين , من أمن من الفتنة , فإن خاف بإظهار دينه الفتنة , بقهرهم وسلطانهم , أو شبهات زخرفهم وأقوالهم , لم يبح له القدوم إليهم , والمخاطر بدينه , وقد بلغكم ما حصل من الفتنة , على كثير ممن خالطهم , وقدم إليهم , حتى جعلوا مسبة من نهاهم عن ذلك , وأمرهم بمجابة المشركين , دينًا يدينون به , ويفتخرون بذكره في مجالسهم , ومجامعهم , وقد نقل ذلك عن غير واحد {وكفى بربك هاديًا ونصيرا} [الفرقان: 31] .
وبعض من رحل إليهم من جهتكم , حمل رسائلهم ومكاتباتهم , إلى أهل الإسلام , يدعونهم إلى الدخول تحت طاعتهم , ومسالمتهم , وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبين من كاتبوه , واستحسن ذلك كثير من الملأ , والله المستعان؛ وقد شاع لديكم خبر من افتتن بمدحهم , والثناء عليهم , ونسبتهم إلى العدل وحسن الرعاية , إلى ما هو أعظم من ذلك وأطم , من مشاقة الله ورسوله , وإتباع غير سبيل المؤمنين , ومن لم يشاهد هذا منكم , ولم يسمع من قائله: قد بلغه وتحققه , فأجهل الخلق وأضلهم عن سواء السبيل , من ينازع في تحريم السفر إليهم - والحالة هذه - ويرى حله وجوازه.
الوجه الخامس: أن سد الذرائع , وقطع الوسائل , من أكبر أصول الدين وقواعده , وقد رتب العلماء على هذه القاعدة , من الأحكام الدينية تحليلًا وتحريمًا , ما لا يحصى كثرة , ولا يخفى أهل العلم والخبرة , وقد ترجم شيخ الدعوة النجدية , قدس الله روحه , لهذه القاعدة في كتاب التوحيد , فقال: باب ما جاء في حماية المصطفى - صلى الله عليه وسلم - جناب التوحيد , وسده كل طريق يوصل إلى الشرك , وساق بعض أدلة هذه القاعدة.
وقد قرأت علينا الرسالة المدنية , لشيخ الإسلام ابن تيمية , أن اعتبار هذا من محاسن مذهب مالك , قال: ومذهب أحمد قريب منه في ذلك , ولو أفتينا بتحريم السفر رعاية لهذا الأصل فقط , وسدًا لذرائعه المفضية , لكنا قد أخذنا بأصل أصيل , ومذهب جليل.
الوجه السادس: أنا لا نسلم دخول هذه البلدة , التي الكلام بصددها , في عبارات أهل العلم , ورخصتهم , لأن صورة الأمر وحقيقته: سفر إلى معسكر العدو الحربي , الهاجم على أهل الإسلام ,