عرف هذا , عرف بين مسألتنا , وبين عبارة من قال: يجوز السفر لمن قدر إظهار دينه , لو فرضناه حاصلًا , فكيف وأمر كما قدمت؟!.
الوجه الثالث: أن نص عبارات علماؤنا , وظاهر كلامهم، وصريح إشارتهم , أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه , لا يباح له السفر إليهم , فالرخصة مخصوصة بمن عرفه بأدلته المتواترة , في الكتاب والسنة , ومثل هذا هو الذي منه إظهار دينه , والإعلان به , وكيف يظهره من لا يدريه , ولا إلمام له بأدلته القاطعة للخصم ومبانيه؟ سعرًا:
فقر الجهول بلا علم إلى أدب فقر الجمار بلا رأس إلى رسن
حتى ذكر جمع: تحريم القدوم إلى بلد تظهر فيها عقائد المبتدعة , كالخوارج , والمعتزلة , والرافضة , إلا لمن عرف دينه في هذه المسائل , وعرف أدلته , وأظهره عند الخصم؛ وقد عرفت - أرشدك الله - أن الزمن ومن فترة من أهل العلم , غلبت فيه العادات الجاهلية , والأهواء العصبية , وقل من يعرف الإسلام العتيق , وما حرمه الله من موالاة أعدائه المشركين , ومعرفة أقسامها , وأن منها ما يكفر به إلا مسلم , ومنها ما هو دونه , وكذلك المداهنة , والركون , وما حرم الله تعالى ورسوله , وما الذي يوجب فسق فاعله أو ردته.
وأين القلوب التي ملئت , من الغيرة لله وتعظيمه , وتوقيره؟ عن كفر هؤلاء الملاحدة , وتعطيلهم , وصار على نصيب وحظ وافر , من مصادمة أعداء الله ومحاربتهم , ونصر دين الله ورسله , ومقاطعة من صد عنه , وأعراض عن نصرته , وإن كان الحبيب المواتيا , فالحكم لله العلي الكبير , وأين من يباديهم: بأن ما هم عليه كفر وضلال بعيد؟ ومسبة الله العزيز الحميد , يمانع أصل الإيمان والتوحيد , وأن ما هم عليه هو الكفر الجلي البواح , وهو في ذلك على نور من ربه , وبصيرة في دينه , فسل أهل الريب والشبهات , هل يغتفر الجهل بذلك , والإعراض عنه , علمًا وعملًا؟ ويكتفى بمجرد الانتساب إلى الإسلام , عند قوم ينتسبون إليه أيضًا , وهم من أشد خلق الله كفرًا به وجحودًا له , وردًا لأحكامه , واستهزاء بحقائقه؟
فإن قالوا: يكتفي بذلك الانتساب , وتبرأ به الذمة , فقد عادوا على ما نقلوه وأصلوه , من دليلهم بالرد والهدم , ومن حقق النظر , وعرف أحوال القوم وسبر , علم أن معولهم على اتباع أهوائهم , والميل مع شهواتهم , نسأل الله لنا ولهم العافية.
هواي مع الركب اليماني مصعد جنيبٌ وجثماني بمكة موثق
فمن هان عليه أمر الله تعالى فعصاه , ونهيه فارتكبه , وحقه فضيّعه , وذكره فأهمله , وأغفل قبله عنه , وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه , وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة ربه , فلله