وقد قال بعض السلف: إن هذا العلم دين , فانظروا عمن تأخذون دينكم , ومن خاض في مثل هذه المباحث الدينية , من غير ملكة ولا روية , فما يفسد أكثر مما يصلح , وضلاله أقرب إليه من أن يفلح.
وقد قيل: يفسد الأديان , نصف متفقه؛ ويفسد اللسان نصف نحوي؛ ويفسد الأديان نصف متطبب؛ فعليك بمعرفة الأصول الدينية , والمدارك الحكمية؛ ولترتفع همتك إلى استنباط الأحكام , من الآيات القرآنية، والسنن الصحيحة النبوية , ولا تقنع بالوقوف مع العادات , وما جرى به سنن الأكثرين في الديانات , فقد قال بعضهم: من أخذ العلم من أصله استقر , ومن أخذه من تياره اضطرب , وما أحسن ما قال في الكافية الشافية:
وقد نجا أهل الحديث المحض ... أتباع الرسول وتابِعوا القرآن
عرفوا الذي قد قال مع علم بما قال الرسول فهم أولوا العرفان
وسواهمو في الجهل والدعوى مع الكبر العظيم وكثرة الهذيان
مدوا يدا نحو العلى بتكليف وتخلف ... وتكبر ... وهوان
أترى ينالوها ... وهذا ... شأنهم حاشا العلي من ذا الزبون الفان
قال شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب , رحمه الله , في المواضع التي نقلها من السيرة , إنه لا يستقيم للإنسان إسلام , ولو وحد الله وترك الشرك , إلا بعداوة المشركين , والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء؛ فانظر إلى تصريح الشيخ: بن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة والبغضاء؛ فأين التصريح من هؤلاء المسافرين؟ والأدلة من الكتاب والسنة ظاهرة متواترة , على ما ذكر الشيخ، وهو موافق لكلام المتأخرين , من إباحة السفر لمن أظهر دينه.
ولكن الشأن كل الشأن في إظهار الدين , وهل اشتدت العداوة بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، إلا لمَّا كافحهم بمسبة دينهم , وتسفيه أحلامهم , وعيب آلهتهم؛ وأي رجل تراه يعمل المطي، جادًا في السفر إليهم، واللحاق بهم , حصل منه ونقل عنه , ما هو دون هذا الواجب؟ والمعروف المشتهر عنهم: ترك ذلك كله بالكلية , والإعراض عنه , واستعمال التقية والمداهنة , وشواهد هذا كثيرة شهيرة , والحسيات والبديهيات غنية عن البرهان.
الوجه الثاني: أن قتال من هجم على بلاد المسلمين , من أمثال هؤلاء فرض عين , لا فرض كفاية , كما هو مقرر مشهور , فلا يحل ولا يسوغ - والحالة هذه - تركه والعدول عنه , لغرض دنيوي؛ وقواعد الإسلام , , ومدراك الأحكام: ترد القول بإباحة ترك الفروض العينية , لأغراض دنيوية , ومن