محققة؛ ومن قال بالتخصيص والتقييد لها , إنما بقضايا عينية خاصة , وأدلة جزئية , لا عموم لها عند جماهير الأصوليين والنظار , بل هي في نفسها محتملة للتقييد والتخصيص.
ومن قال بالرخصة , لا ينازع في عموم الأدلة الموجبة للهجرة , المانعة من المجامعة و المساكنة , غاية ما عند الخصم: أن يقيس حكمًا على حكم , فرعًا على فرع , وقضية على قضية؛ والمنازع له يتوقف في صحة هذا القياس، لأنه معارض لدليل العموم والإطلاق.
وقد رأيت محمد بن علي الشوكاني: جزم فيما كتبه على المنتقى , برد قول الماوردي , بجواز الإقامة بدار الشرك , وفضيلة ذلك لمن اظهر دينه , ورجا إسلام غيره؛ قال: وهذا القول معارض لعموم النص، فلا يسلم ولا يلتفت إليه، مع أن الذي كتبناه في هذه المسألة , موافق للمشهور عند المتأخرين، لم نخرج عنه كما تقدم ذكره؛ والقصد: أن المسلة من أصلها، فيها بحث قوي، ومجال للنظر، فإن بقي عليك إشكال فراجعني، وإياك والسكوت على ريبة.
وقد رأيت بخط الوالد , قدس الله روحه ونور ضريحه:
شمر إلى ... طلب العلوم ذيولًا وانهض لذلك بكرةً وأصيلا
وصلِ السؤالَ وكن هُديتَ مُبَاحِثًَا ... فالعيبُ عندي أن تكون جهولا
وأما مسألة المبايعة: فلم يسألني عنها أحد، ولم يتقدم لي فيها الكلام؛ وقد بسط شيخ الإسلام الكلام على مبايعة أهل الذمة , ومنع من بيع ما يستعينون به على كفرهم وأعيادهم؛ وأما الكافر الحربي: فلا يمكن مما يعينه على حرب أهل الإسلام، ولو بالميرة والمال , ونحوه والدواب , والرواحل، حتى قال بعضهم بتحريق ما لا يتمكن المسلمون من نقله في دار الحرب، من أثاثهم وأمتعتهم، ومنعهم من الانتفاع به , فكيف بيعهم وإعانتهم على أهل الإسلام؟ فإن انضاف إلى ذلك ما هو الواقع من المسافرين , في هذا الزمان , مما تقدم ذكره , فالأمر أغلظ وأفحش , وذلك فرد من وراء الجمع.
وأكثر الناس , يخفى عليه: أن المرتد من أهل تلك الديار، التي استولى عليها الكافر الحربي، أغلظ كفرًا وأعظم جرمًا، بجمع ما تقدم من الأحكام، ولذلك تجد لهم عند القادمين إليهم , من المباسطة والموانسة والإكرام , ما هو أعظم مما مرت حكايته , والله المسئول المرجو الإجابة: أن ينصر دينه، وكتابه ورسوله، وعباده المؤمنون، وأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله على عبده ورسوله النبي الأمي، وعلى آله وصحبه , وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وله أيضًا: قدس الله روحه ونور ضريحه.