الصفحة 186 من 461

والأهل الإيمان والتقى , لأنه لم يعرف الراحة التي حصلت بالرسل، وبما جاؤوا به الدنيا والآخرة , ولم يؤمنوا بها الإيمان النافع.

والمسلم يعرف: أن الراحة كل الراحة , والعدل كل العدل , واللذة كل اللذة في الإيمان بالله ورسوله , والقيام بما أنزل الله من الكتاب والحكمة , وإخلاص الدين له , وجهاد أعدائه وأعداء رسوله , وأنه باب من أبواب الجنة , يحصل به النعيم والفرح واللذة , في الدور الثلاث , قال الله تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} الآية [البقرة:177] .

ولو علم هذا المتكلم: أن الشرك أظلم الظلم , وأكبر الكبائر , وأقبح الفساد و أفحشه , لكان له مندوحة عن مثل هذا الجهل الموبق , قال تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} [الأعراف:85] وقال تعالى {يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أي يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} [البقرة:26 - 27] فجعل الخسار كله بحذافيره , في أهل هذه الخصال الثلاث , كما يقيد الضمير المقحم بين المبتدأ والخبر , وقال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [الأنفال: 73] .

فهذا الفساد المشار إليه , في هذه الآيات الثلاث الكريمات , هو الفساد الحاصل بالكفر , والشرك , وتر الجهاد في سبيل الله , واتخاذ أعداء الله أولياء من دون المؤمنين.

وبالجملة: فمن عرف غور هذا الكلام - أعني قول بعضهم: إنه حصل بهم راحة الناس , وعدم ظلم وتعد على الحضر - تبين له ما فيه من المحادة والمشاقة لما جاءت به الرسل , وعرف أن قائله ليس من الكفر ببعيد.

والواجب على مثلك: أن يجاهدهم بآيات الله , ويخوفهم من الله وانتقامه، ويدعو إلى دينه وكتابه , والهجر مشروع إذا كان فيه مصلحة راجحة , ونكاية لأرباب الجرائم , وهذا يختلف باختلاف الأحوال , والأزمان , والله المستعان.

وسئل: عمن كان في سلطان المشركين , وعرف التوحيد وعمل به , ولكن ما عادهم , ولا فارق أوطانهم؟ فأجاب: هذا السؤال صدر عن عدم التعقل لصورة الأمر , والمعنى المقصود من التوحيد , والعمل به , لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به , ولا يعادي المشركين , ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به , والسؤال متناقض , وحسن السؤال مفتاح العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت