وأظن مقصودك: من لم يظهر العداوة , ولم يفارق؛ ومسألة إظهار العداوة , غير مسألة وجود العداوة , فالأول يعذر به مع العجز والخوف , لقوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران: 28] والثاني لا بد منه , لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت , وبينه وبين حب الله ورسوله تلازم كلي , لا ينفك عنه المؤمن، فمن عصى الله بترك إظهار العداوة , فهو عاص لله.
فإذا كان أصل العداوة في قبله، فله حكم أمثله من العصاة , فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة , فله نصيب من قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية [النساء: 97] لكنه لا يكفر , لأن الآية فيها الوعيد لا التكفير.
وأما الثاني: الذي لا يوجد في قلبه شيء من العداوة فيصدق عليه قول السائل: لم يعاد المشركين؛ فهذا هو الأمر العظيم , والذنب الجسيم , وأي خير يبقى مع عدم عداوة المشركين؟ والخوف على النخل والمساكن , ليس بعذر يوجب ترك الهجرة , قال تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} الآية [العنكبوت: 56] .
وأما: ما كان في دار الإسلام , ولا تعلم أصل الدين ولا قواعده , ولأجل الجهل بها , صار يعزر ويوفر , أعداء الدين؟
فالجواب أن يقال: إن أحوال الناس تتفاوت تفاوتًا عظيمًا , وتفوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان , إذا كان أصل الإيمان موجودًا , والتفريق والترك , إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات , و المستحبات.
وأما عدم الأصل , الذي يدخل به في الإسلام , وأعرض عن هذا بالكلية , فهذا كفر إعراض , فيه قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس} الآية [الأعراف: 179] .
ولكن عليك أن تعلم: أن المدار على معرفة حقيقة الأصل , وحقيقة القاعدة , وإن اختلف التعبير واللفظ , فإن كثيرًا يعرف القد والقاعدة , ويعبر بغير التعبير المشهور , وتعزيرهم وتوقيرهم كذلك , تحته أنواع أيضًا , أعظمها رفع شأنهم , ونصرتهم على أهل الإسلام ومبانيه , وتصويب ما هم عليه , فهذا وجنسه من المكفرات , ودونه مراتب من التوقير بالأمور الجزئية , كلياقة الدواة ونحوه.
وأما قوله لأبي شريح , فليس فيه ما يدل على تحسين الباطل , والحكم به , بل ذكروا وجوهًا متعددة في معنى ذلك , كلها تفيد البعد والتحريم لمثل فعل البوادي , ومن أحسن ما قيل: أن هذا تحسين لفعل صدر في الجاهلية , وإذا جاء نهر الله , بطل نهر مَعْقِل.
وسئل: عمن يخالط أهل بلده , ويرجو بها أن يجيبوه إلى الإسلام ... الخ؟