فأجاب: أما الرجل الذي يخالط أهل بلده ومحلته , ويرجو بمخالطتهم أن يجيبوه إلى الإسلام , وإلى السنة , ويتركوا ما هم عليه من شرك , أو بدعة , أو فواحش , فهذا يلزمه خلطتهم ودعوتهم , إنْ أمن الفتنة , لما في ذلك من المصلحة الراجحة , على مصلحة الهجر , والاعتزال , ورؤية المنكر , إذا رجا بها إزالته , وتغييره , وأمن الفتنة به , ولم يمكن تحصيل الدينية إلا بذلك , فلا حرج عليه , بل ربما تأكد , واستحب.
وبلغني: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , كان يخرج إلى عسكر التتار , لما نزلوا الشام المرة الأولى حول دمشق , ويجتمع بأميرها , ويأمرها وينهاه , ويرى في خروجه عندهم أشياء من المنكرات , وقد أراد بعض الأفاضل , ممن صحبه في إحدى تلك المرات , أن ينكر على جماعة منهم , ما رأوه يدور بينهم , من كاسات الخمر , فقال له الشيخ: لا تفعل , إنهم لو تركوا هذا , لزاد شرهم على المسلمين وجرمهم. وقال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس} الآية [الأعراف: 179] .
وأما البداءة بالسلام , فلا ينبغي أن يبدأ الكافر بالسلام , بل هو تحية أهل الإسلام , لكن إن خاف مفسدة راجحة , أو فوات مصلحة كذلك , فلا بأس بالبداءة , لاسيما ممن ينتسب إلى الإسلام , ولكن يخفى عليه شيء من أصوله وحقوقه , وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يأتي المشركين من العرب , في منازلهم , أيام الموسم , ويدعوهم إلى توحيد الله , وترك عبادة ما سواه , وأن يقولوا لا إله إلا الله , ويتلو عليهم القرآن , ويبلغهم ما أمر بتبليغه , مع ما هم عليه من الشرك والكفر , والرد القبيح لما في ذلك من المصلحة الراجحة , على مصلحة الهجر والتباعد.
والهجر: إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع المبطل , فإذا انتفى ذلك , وصار فيه مفسدة راجحة فلا يشرع , ومن تأمل السيرة النبوة , والآثار السلفية , يعرف ذلك ويتحققه , وقد أمر الله بالدعوة إليه على بصيرة , قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} الآية [يوسف: 108] وقال تعالى: {وجاهدوا بالله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} الآية [الحج: 78] .
والجهاد بالحجة والبيان , يقدم على الجهاد بالسيف والسنان , وقد مر - صلى الله عليه وسلم - على مجلس فيه أخلاط من المسلمين , والمنافقين , واليهود , وفيه عبد الله بن أبي رأس المنافقين , فسلم - صلى الله عليه وسلم - , ونزل عن دابته , ودعاهم إلى الإسلام , وذلك حين ذهب إلى سعد بن عبادة يعوده في منزله , والقصة مشهورة.