الصفحة 226 من 461

وقال ابن حجر في فتح البارئ: قال البخاري رحمه الله تعالى: (( باب لا هجرة بعد الفتح ) )أي فتح مكة؛ أو المراد ما هو أعم من ذلك , إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك كحكمها , فلا تجب الهجرة من بلدة قد فتحها المسلمون.

أما قبل فتح البلد , فمن بها أحد إظهار دينه , ولا أداء واجباته , فالهجرة منها واجبة؛ الثاني: قادر على الهجرة , يمكنه إظهار دينه , وأداء واجباته , فالهجرة منها مستحبة , لتكثير سواد المسلمين , ومعونتهم , وجهاد الكفار والأمن من غدرهم , والراحة من رؤية المنكر بينهم؛ الثالث: عاجز بعذر من أسر , أو مرض , أو غير ذلك من الأعذار , فهذا ممن عذر الله , فتجوز له الإقامة؛ فإن حمل على نفسه، وتكلف الخروج منها أجر , انتهى كلامه.

فانظر إلى قوله: لكنه إظهار دينه , فإنه إذا حصل منه ذلك , لم تكن الهجرة واجبة في حقه , بل مستحبة , لأجل ما ذكره رحمه الله , ولكن هذا القسم الثاني عزيز الوجود , فالله المستعان.

وقال الشيخ: حسين بن غنام الأحسائي رحمه الله , في (( العقد الثمين ) )وقد زعم قوم: أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام , والإيمان , ليست واجبة , ولا متعينة في هذه الأزمان , وأن محكم عقده مفسوخ , وجوبها المستمر منسوخ , متمسكين بالدليل بما لا يروي الغليل , ولا يشفي القلب العليل , وذلك ظاهر قول خير البرية (( لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهاد ونية ) )وظاهر حديث: (( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) ).

وليس الأمر كما زعموا , ولا المعنى كما فهموا , بل ليس الأمر كما جزموا وحكموا , وإنما المراد المقصود , والمنهج المسدود: الهجرة من مكة إلى المدينة , بعد فتحها للمسلمين , وزوال أوثان المشركين , وإضاءة أرجائها بأنوار الدين , ورفع قواعد التوحيد , وقصم كل جبار عنيد , لأن الله تعالى قد بدل الحال , بأم القرى والتعطيل؛ فسدّ بعد ماضي تلك الحكمة وذلك السبيل.

وأما الهجرة من بلدان المشركين والكفار , وعدم السكن معهم والاستقرار , إلى ما للمسلمين من الديار , حيث لا يمكن إقامة دين للموحدين , ولا إظهار ولا تعزيز للإسلام , ولا انتصار , فحكمها إلى الآن ثابت الوجوب , والإلزام , مستمر على مرّ السنين والأعوام ,كما صرح بذلك الأئمة الأعلام , والآيات دالة على ذلك , دلالة صريحة , والأحاديث ثابتة صحيحة , قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كن مستضعفين في الأرض} [النساء: 97] وذكر كلام ابن كثير المتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت