الصفحة 358 من 461

فلما انقضى أمر التحكيم - وخدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري , وصرح عمرو بولاية معاوية , بعد أن عزل أبو موسى عليًا , خدعه عمرو بذلك , فهرب أبو موسى إلى مكة - قام علي في الكوفة فخطبهم , وقال في خطبته: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح , والحدثان الجليل؛ وأشهد أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله.

أما بعد: فإن المعصية تورث الحسرة , وتعقب الندم , وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين - يعني أبا موسى , وعمرو بن العاص - وفي هذه الحكومة أمري , ونحلتكم رأيي , ولو كان لقصير رأيي , ولكن أبيتم إلا ما أردتم , فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوزان:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

ألا إن هذين الرجلين , اللذين أخرجتموها حكمين , قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما , وأحييا ما أمات القرآن , فاتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله , فحكما بغير حجة بينة , فبرئ الله منهما ورسوله , وصالح المؤمنين , فاستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام.

وكتب إلى الخوارج , من عبد الله: علي أمير المؤمنين , إلى زيد بن حصين , وعبد الله بن وهب , ومن معهما من الناس.

أما بعد: فإن هذين الرجلين , اللذين ارتضيتما حكمين , قد خالفا كتاب الله , واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله , فلم يعملا بالسنّة , ولم ينفذا للقرآن حكمًا , فبرئ الله منهما ورسوله , والمؤمنين , فإذا بلغكم كتابي هذا , فأقبلوا إلينا , فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم , ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه.

فكتبوا إليه , أما بعد: فإنك لم تغضب لربك , وإنما غصبت لنفسك , فإن شهدت على نفسك بالكفر , واستقبلت التوبة , نظرنا فيما بيننا وبينك , وإلا فقد نابذناك على سواء {إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58] فلما قرأ كتابهم أيس منهم , ورأى أن يدعهم , وبمضي بالناس إلى قتال أهل الشام , فقام في الكوفة فندبهم إلى الخروج معه , وخرج معه أربعون ألف مقاتل , وسبعة عشر من الأنباء , وثمانية ولم يخرج إلا ثلاثة آلاف.

وبلغ عليًا: أن الناس يرون قتال الخوارج أهم وأولى , قال لهم علي: دعوا هؤلاء , وسيروا إلى قوم يقاتلونكم , كيما يكونون جبارين ملوكًا , ويتخذوا عباد الله خولًا؛ فناداه الناس: أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت.

ثم إن الخوارج استقر أمرهم , وبدؤوا بسفك الدماء , وأخذوا الأموال , وقتلوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وجدوه سائرًا بامرأته على حمار , فانتهروه , وأفزعوه , ثم قالوا له: ما أنت؟ فأخبرهم , قالوا: حدثنا عن أبيك الخباب , حديثًا سمعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , تنفعنا به؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت