الصفحة 357 من 461

فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع في هذه الدنيا قليل , وإن الفراق لها وشيك , فلا تدعونكم بزينتها وبهجتها إلى المقام بها , ولا تكفنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم , فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون , فقال حمزة بن سنان الأسدي , يا قوم: إن الرأي ما رأيتم , فولوا أمركم رجلًا منكم , فإنه لابدّ لكم من عماد وسناد , وراية تحفون بها وترجعون إليها.

فعرضوا ولايتهم على زيد بن حصين الطائي , وعرضوها على حرقوص بن زهير , فأبياها , وعلى حمزة بن سنان , وشريح بن أوفى العبسي , فأبيا , ثم عرضوها على عبد الله بن وهب , فقال: هاتوها أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا , ولا أدعها فرارًا من الموت , فبايعوه لعشر خلون من شوال , وكان يقال له ذو الثفنات , فاجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي , فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها , وننفذ حكم الله , فإنكم أهل الحق.

قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها , ونأخذ بأبوابها , ونخرج منها سكانها , ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة , فيقدمون عليها , فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين تبعوكم , ولكن أخرجوا وحدانا ومستخفين , فأما المدائن فإن بها من يمنعكم , ولا تسيروا حتى تنزلوا بجسر النهروان , وتكلموا إخوانكم من أهل البصرة , قالوا: هذا الرأي؛ فكتب عبد الله بن وهب , إلى من بالبصرة , ليعلمهم ما اجتمعوا عليه , ويحثهم على اللحاق بهم , فأجابوه.

فلما خرجوا صار شريح بن أوفى العبسي يتلو قوله: {فخرج منها خائفًا يترقب} إلى قوله {سواء السبيل} الآية [القصص: 21 - 22] وخرج معهم طرفة بن عدي فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه وأرسل عدي إلى عامل علي على المدائن يحذره , فحذر وضبط الأبواب , واستحلف عليها المختار بن أبي عبيد , وخرج بالخيل في طلبهم , فأخبر ابن وهب , فسار على بغداد , ولحقته ابن مسعود أمير المدائن بالكرخ , في خمسمائة فارس , فانصرف إليه ابن وهب الخارجي في ثلاثين فارسًا , فاقتتلوا ساعة , وامتنع القوم منهم , فلما جن الليل إلى أصحابه , وتفلت رجال من أهل الكوفة , يريدون الخوارج , فردوهم أهلوهم.

ولما خرجت الخوارج من الكوفة , عاد أصحاب علي وشيعته إليه , فقالوا نحن أولياء من واليت , وأعداء من عاديت , فشرط لهم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء ربيعة بن شداد الخثعمي , فقال: أبايع على سنّة أبي بكر وعمر , قال علي ويلك؛ لو أن أبا بكر وعمر , عملا بغير كتاب الله وسنّة رسوله , لم يكونا على شيء من الحق , فبايعه ونظر إليه علي , فقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت بك وقد نفرت مع هذه الخوارج , فقتلت , وكأني بك وقد وطأتك الخيل بحوافرها؛ فكان ذلك , وقتل يوم النهروان مع الخوارج.

وأما خوارج البصرة , فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل , جعلوا عليهم مسعر بن فدكى التميمي , وعلم بهم ابن عباس , فأتبعهم بالأسود الدؤلي , ولحقهم بالجسر الأكبر فتواقفوا حتى حجز دونهم , وأدلج مسعر بأصحابه , وسار حتى لحق بابن وهب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت